فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 212

طبيعة الخير الوضوح والتكشف، وطبيعة الشر الغموض والإبهام. الرجل الطيب لا يسوءه أن تظهر أعماله أو تستعلن أحواله، وهو يستطيع أن يقول للناس دائما:"هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ". فليس فيه ما يخشى مغبته ويحاذر عقوبته. والرجل الخبيث يحرص على أن يطوى جوانب حياته فلا تقع الأعين منه إلا على ظاهر خادع وطلاء كاذب، أما ما وراء ذلك من إثم فقد ضرب عليه ليل طويل. كذلك الحكم الصالح والحكم الفاسد، لا يرى الحاكم الراشد حرجا في أن تنطلق الألسنة من عقالها تصف ما ترى، وتبحث عما غاب، فلن ترى في الشهادة والغيب إلا ما يزهو صاحبه به ويهش له، من عفاف وعدالة واستقامة. أما الحاكم المجرم فيريد جوا يسوده الصمت الرهيب، لأنه يدرى أن الأفواه لو نطقت فستفضح خبأه وتكشف سره. وهنا الطامة الكبرى. ولذلك كان خصائص الاستبداد السياسى في كل زمان ومكان كرهه الشديد لحرية النقد والتوجيه، وكان من خصائص الإسلام التى امتاز بها لتقويض أركان الاستبداد - أن أوجب على كل فرد أن ينقد الخطأ وأن يوجه إلى الخير. كان الثوار على المظالم في كل بلد وقع فريسة الحكام المستبدين يطلبون حرية القول، وكان هؤلاء الحكام يخشون من الحرية على كيانهم فهم يحظرونها، ولا يجوز أن يذاع إلا ما كان مدحا لهم أو زلفى إليهم!. ثم تخرس الألسنة بعد هذا!!. لكن الإسلام جعل في هذا النقد والتوجيه فريضة تتبع الإيمان، لا مباحا يتبع المشيئة، وبين الله - تبارك وتعالى - أن تقرير المعروف وأمر كل إنسان به وتغيير المنكر وزجر كل إنسان عنه، وتتبع الأعمال بالتصويب والتخطثة أيا كان مقترفها، هو سر تفضيل هذه الأمة على غيرها. 141

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت