الحرية صدى الفطرة ومعنى الحياة، يشب المرء من نعومته وهو يحس بأن كل ذرة من كيانه تنشدها وتهفو إليها، وكما خلقت العين للبصر، والأذن للسمع، وكما خلق لكل جارحة أو حاسة وظيفتها التى تعتبر امتدادا لوجودها واعترافا بعملها! .. كذلك خلق الإنسان ليعز لا ليذل، وليكرم لا ليهون، وليفكر بعقله، ويهوى بقلبه، ويسعى بقدمه، ويكدح بيده. لا يشعر وهو يباشر ذلك كله بسلطان أعلى يتحكم في حركاته وسكناته إلا الله الفرد الصمد، ربه، ورب الناس أجمعين!. بيد أن الناس تظالموا فيما بينهم، وطغى كبارهم على ضعافهم، ومال الميزان دائما مع ذوى القوة والبطش، فحيثما وجدوا حجَّروا ما أراد الله له أن يتسع. وتاريخ العالم من أعصار سحيقة سلسلة من المعارك الداهية، والأحداث القاسية، حملت أوزارها الوثنيات السياسية السائدة، تلك الوثنيات التى ملكت نواصى الشعوب، وسخرتها في أهوائها العابثة، وفرشت طريقها بالأشواك والأقذار. ومنذ آماد بعيدة والجماهير المهضومة تتطلع إلى حقوقها، وتسعى حثيثا لاسترجاع المغصوب منها، وقد تحملت في سبيل ذلك أفدح المغارم. وعندما يرجع الإنسان بصره إلى وراء يجد معالم الكفاح إلى الحرية مضرجة بالدماء مزدحمة بالخرائب والأشلاء!. ولماذا يرجع الإنسان إلى ذكريات الماضى وهذه صفحة الحاضر الكئيب لعالمنا المرهق المكدود؟ إننا لا نزال نسمع إلى أنات الشاكين، وصرخات المخنوقين من ضحايا الاستعمار الخارجى والاستبداد الداخلى. وفى جنبات الشرق الأوسط بقايا من ظلمات الجاهلية الأولى ترين على القلوب 073