فى القرآن الكريم تفصيل لحقيقة الدعوة إلى الله تعالى، وتأريخ لسير هذه الدعوة، وبيان لما أصاب حملتها عندما قاموا بحق الله عليهم في إبلاغ رسالتها إلى الناس .. واستقراء أحوال الأنبياء مع أقوامهم يؤكد حقيقة واحدة، لم تزدها الأيام إلا صدقا، وهو أن الاستبداد الأعمى عدو الله، وعدو رسله، وعدو الشعوب، وأنه لا قيام لحق في هذه الحياة إلا إذا طمست صور هذا الاستبداد، وسويت به الأرض، ومشت عليها الأقدام. وقد ظهر أن تفكير المستبدين واحد على اختلاف العصور، وأنهم لا يتركون غرورهم مهما تلطف المصلحون معهم. ولو أمكن تقليم أظافرهم لوقاية الأمم من شرهم ثم تركهم أحياء بعد ذلك يفعلون ما يشاءون لأشرنا بذلك!! ولكن الآيات التى سنتلوها تتضافر على اتهام الاستبداد السياسى بأن الشر ذاتى فيه فلا أمان لحضارة إلا إذا خلت منه. في إحدى القرى الفاسدة أراد الله أن يبعث إليها من يصلح شئونها، ووكل ذلك إلى نفر من المسلمين الأخيار، فما إن بدأ عملهم الفاضل حتى منعتهم القوة الغاشمة:"واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون * إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون * قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون * قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون * وما علينا إلا البلاغ المبين". إلى هنا كشف المرسلون عن حقيقة ما كلفوا به، وهو لا يعدو:"البلاغ المبين". 077