ولكن جواب المستبدين منع هذا البلاغ وألا يمكن رسل الله منه:"قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم". فإذا عوقب المستبدون الأولون وسيق قصصهم لمن خلفهم حتى يزدجروا، فلم يرهبوا هاديا ولا يؤذوا مصلحا، لم يزدهم هذا التذكير بمصارع المعتدين إلا صلفا وعتوًّا."ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب". وليس الشك فيما جاء به المرسلون جريمة، فإن الشك أول مراتب اليقين ولو أن هؤلاء أعملوا عقولهم في وزن ما يعرض عليهم لما ترددوا في تصديق هداتهم، وتركوهم وشأنهم يبلغون ما يعتقدون أنه الحق لهان الأمر قليلا. لكنهم اتهموا أنبياءهم بأنهم يخرجون على التقاليد المتوارثة، وأردفوا هذه التهمة بطلب السكوت عن إبلاغ الدعوة، و إلا ... وترى القلة المؤمنة أن تفوز بإيمانها وحدها وحسبها البلاغ! غير أنهم لا يظفرون بهذا الأمل العزيز ويبدأ البلاء ينزل بهم، والاضطهاد لا يقتل العقائد، ومن ثَم يقول أولئك المستضعفون:"وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون". ثم يمضى البلاء صعدا لطرد المؤمنين من ديارهم بعد ما فشل في حملهم على الكفر بربهم. 078