فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 212

كسبهم معالى الأمور ورفض أدانيها، حتى أفضى الأمر إلى أبنائهم المترفين، فكانت همتهم قصد الشهوات وركوب الملذات من معاصى الله - عز وجل - جهلا منهم باستدراجه، وأمنا منهم لمكره، مع اطراحهم صيانة الخلافة واستخفافهم بحق الرياسة وضعفهم عن السياسة فسلبهم الله العز وألبسهم الذل ونفى عنهم النعمة!!. وهذا الكلام الذى قاله أبو جعفر المؤسس الكبير للملك العباسى، يقال كذلك فيه وفى أسرته، وما أشبه هذه بتلك، وما أشبه الليلة بالبارحة .. وكلام المنصور يتضمن بعض الصدق لا الصدق كله، فهو تعليق ملك داهية على سيرة ملوك مفرطين، لا تعليق خليفة راشد على أعمال حكام ظالمين! ويمتاز الملك العباسى عن الأموى بجحد المعروف ونكث العهود. فقد استخدم الأمويون صنفا من الجبابرة السفاكين، وطئوا لهم البلاد وأذلوا العباد، وكافئوهم على أعمالهم بتوسيع ولاياتهم والإغداق عليهم، كالحجاج وزياد. أما العباسيون، فما إن استتب الأمر لهم حتى أوقعوا بالداعية الأكبر لأسرتهم وذوى اليد الطولى عليهم، أبى مسلم الخراسانى، قتل في حضرة المنصور، بأمره ومكره، فلما برد وطرح بين يديه، قال:

زعمت أن الدين لا ينقضى ... فاستوف بالكيل أيا مجرم

اشرب بكأس كنت تسقى بها ... أمر في الحلق من العلقم

ونكبة البرامكة على يد الرشيد معروفة. والفارسيون يرون في هذه المآسى دلالة على نزعة العرب للاستئثار بالسلطة ورغبتهم ألا يروا فارسيا عظيم الشأن إلى جانبهم، ووقع في أذهان الفرس أن ملوك بنى العباس يقربونهم بقدر ما يستفيدون منهم، حتى إذا استنزفوا خيرهم نكلوا بهم!. والواقع أن هذه السياسة ليست طبيعة العرب، ولا طبيعة غيرهم من الأجناس الأخرى،. إنها طبيعة الاستبداد السياسى، فالفرد الحاكم بأمره يكره أن تكون لأحد 195

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت