ضرب وسب .. لكن القاهرة كانت يسوسها حفنة من الطغاة الفجرة الذين يسرقون الحكم من ذويه ثم يلعبون به كيف يشاءون فخرجت منها وأنا أهمس إلى نفسى: إذا أنكرتنى بلدة أو نكرتها خرجت مع البازى على سواد كنت أكره الاستبداد قبلا كرجل خلقه ربه حرًّا، فلما لعقت مرارة القلة والاستضعاف والاختطاف، ووجدت زمامى يلعب به السفهاء كما كان صبية مكة يلعبون قديما بالحبل الذى ربط فيه بلال بن رباح رسبت مشاعر الحقد في أعماق قلبى، وفهمت كيف أن اندحار الأعداء يشفى صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم.
وفى حلول المصائب يرهف الإحساس، ويتساءل المرء عن قيمة أعماله ومبلغ سدادها، وقد عرانا من ذلك شىء كثير .. قلت: هل أخطأنا؟ وأجلت الطرف فيمن حولى، فرأيت شبابا مقبلين على العلم والعبادة يحتشدون في الصلوات، ويتضرعون في الدعاء ثم يرددون آمالهم في الإصلاح الذى طوردوا من أجله، فإذا بهم معلقو الأفئدة بالكتاب والسنة. إنهم لا ريب يحبون الله ورسوله. أما خصومهم .. فقد ضجت من آثامهم الأرض والسماء، إنهم عراة من تعاليم الدين وفضائل الرجولة، أيديهم ملوثة بالدم الحرام، وبطونهم متخمة بالطعام الحرام، وهاهم أولاء قد رموا بنا في هذا الوادى السحيق لنهلك فيه انقطاعا وضياعًا .. أشهد ما علمت أن دعاء المظلوم من أسباب الكون الفعالة، ومن قواه المسخرة إلا في هذه الأوقات العصيبة .. طالما دعونا ورجونا، ووقفنا في ساحة الله مبتهلين، فإذا به يملى للظالم في الاستكثار من الأوزار التى يحملها حتى بهظته الأثقال، فما زال ينوء تحتها حتى انقصم ظهره فأخلد إلى الأرض. ونجونا .. وما كدنا .. 017