إن القرآن واحد، والرسول واحد، فما هذا الانقسام؟ هب الأولين اختلف بعضهم على بعض فما معنى نقل الفرقة من الأسلاف إلى الأخلاف؟. إن ألف معول نقضت بناء أمتنا حتى جعلته أطلالا، وإن نصف هذه المعاول كان بأيدينا نحن أنفسنا، لأننا نتعلم من الماضى ما يزيدنا خبالا، وما يزيد الهوة سعة، ولو أننا درسنا تاريخنا على حاليه، وفتشنا في أسباب الهزائم كما يفتش القائد في ملابسات المعارك السابقة ليستفيد منها فيما يستأنف من نشاط، لكان ذلك أجدى علينا. وما تعرضنا في هذا الكتاب لأنباء الفتن الأولى إلا بالقدر الذى يعيننا على تجنب فتن أخرى، وقد عرفنا الرسول الكريم أن أول ما ينقض من عرا الإسلام هو الحكم، فإذا أردنا إعادة البناء فلا حرج علينا أن نتبين مزالق الأولين حتى لا نقع فيها. ونحن نأخذ ديننا أولا وآخرا من كتاب الله وسنة رسوله، ولا نبالى بمصاير من اختلفوا بعده، فما تكلفنا شيئا لا يدريه، ولا يدريه النبى نفسه؟. روى مسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم:"ترد أمتى على الحوض، وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله! قالوا: يا نبى الله .. تعرفنا؟ قال: نعم .. لكم سيما ليست لأحد غيركم، تردون على غرا محجلين عن آثار الوضوء وليصدن عنى طائفة منكم، فلا يصلون، فأقول .. يا رب هؤلاء من أصحابى، فيجيبنى ملك فيقول: وهل تدرى ما أحدثوا بعدك؟". وفى رواية البخارى:"بينما أنا قائم على الحوض إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل بينى وبينهم، فقال: هلم، فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله، فقلت: ما شأنهم؟ فقال: إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة أخرى، حتى إذا عرفتهم خرج رجل بينى وبينهم، فقال لهم: هلم، قلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم!! فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم". أى أن الناجى قليل!!. 183