هذه الثقافة الأوروبية في الإسلام كانت تمدها عشرات الرسائل على مر القرون! وأنها كانت الغذاء المنظم الدائب على إثارة السخائم التى تمخضت عن الحروب الصليبية. أين كان المسلمون في هذه الأيام؟ وأين حكومتهم التى يقع على عاتقها تعريف الناس بالإسلام؟ وإعطاء القريب والبعيد صورة صحيحة له؟ ولماذا تترك الجمهور فى"أوروبا"فريسة مخرفين من هذا الطراز الدنىء يكذبون على الله ورسوله، ويشيعون الأوهام الباطلة عن دينه وتعاليمه؟ إن الجواب الصريح على هذه الأسئلة يدمغ حكومات هذه الأزمان. اشتغل المترفون من الخلفاء والأمراء بمتعتهم الخاصة، يتنازعون السلطان بينهم وينسون أعباء الدولة والدعوة معا. وكان المسيحيون الوافدون للحج إلى بيت المقدس يصدرون ويردون فما يتصل بهم أحد ليتعرف ما لديهم، وتلك سماحة من العرب تذكر لهم! فلما جاء الترك أغلقوا الأبواب في وجه الحجاج المسيحيين، ومن ثم انقطعت الصلة تماما بين الشرق الإسلامى والغرب المسيحى، واشتعلت الحروب الصليبية المعروفة. وانتصر المسلمون بعد مراحل طوال ونضال أى نضال. واستأنف الإسلام سيره، وما هى إلا أيام حتى كان الأتراك يقودون قافلته ويمسكون بزمامها، وورثت الدولة العثمانية ملك العباسيين، وبعد أن كان المسلمون ميراثا لبنى أمية ثم لبنى هاشم أصبحوا ميراثا لبنى عثمان. وقد امتاز الأتراك في أول عهدهم بالصفات التى امتاز بها العرب الأولون من حماسة للعقيدة وعزوف عن اللهو وبعد عن الميوعة والترف، وإقبال على الله ورغبة فيما عنده، وهذا سر غلبهم وتفوقهم على الدويلات الإسلامية الأخرى وهو كذلك سر النجاح العسكرى الباهر الذى أحرزوه في شرق أوروبا. إلا أن العرب كانوا أقدر على نشر الإسلام بالدعوة والتربية منهم، وصلتهم بلغة القرآن والسنة تعطيهم في ذلك فضل مقدرة لا يجوز نكرانها. 207