ناقته القصواء يتقدم الركب ويستعد لما يتكشف عنه الغيب - ولو كان قتالا داميا في الحرم - إذا بالناقة تبرك وحاول الصحابة إرغامها على استئناف السير فأبت وتوقفت، فقالوا: خلأت القصواء - أى حرثت وعجزت - فقال النبى:"ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل ... والذى نفسى بيده لا تدعونى قريش إلى خطة يعظمون فيها حرمات الله وفيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها"، ثم زجرها فوثبت تسعى، هذه الحالة كانت بداية التحول وبها خرج الأمر من حدود الشورى العامة ورأى الناس، وبدأ الرسول صلَّى الله عليه وسلم يتصرف مستفتيا قلبه الملهم وحده مصيخا لتوجيه الله .. ولو كان ذلك مخالفا للنية التى اقترح على أصحابه تنفيذها أول الأمر أو مخالفا لرغبات هؤلاء الصحاب وآمالهم التى خرجوا بها، فإذا كلم في ذلك قال:"إنى رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصرى". * لقد خرج الأمر إذن عن ميدان الشورى وحدود الاجتهاد، ومع أن الرسول كان يقول لأبى بكر وعمر قبلا:"لو اتفقتما على أمر ما خالفتكما"، فإنه هنا خالف جمهور الصحابة لأن المجال قد قطع فيه الوحى، وأصبح لا رأى فيه لبشر .. فإذا جاء حاكم مستبد وافتات على رأى الأمة مستشهدا بما حدث في الحديبية فيجب أن يصفع بحد السيف لا بباطن اليد، فإن الاستبداد لا يستشهد له دليل من دين الله. وإذا وقع قارئ محدود الفقه على هذا الفصل من السيرة فاتخذه ذريعة لإهدار رأى الجماعة فينبغى أن يكشف له قصوره وأن يعرف الناس سيرة نبيهم من منابع الحق لا من مجارى الشهوات. الرجل الذى تكلؤه السماء، ويؤيده الملأ الأعلى، وتصلى عليه الملائكة ويبلغ رسالته بعين الله، ويصحبه من آى القرآن قول الله له:"إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ..". 057