قال عيسى بن هشام: فبقيت وبقي أبو داود لا نحير جوابا [1] ، ورجعنا عنه بشرّ وإنّي لأعرف في أبي داود انكسارا، حتّى إذا أردنا الافتراق قال: يا عيسى هذا وأبيك الحديث، فما الّذي أراد بالشّيطانة؟
قلت: لا والله ما أدرى، غير أنّي هممت أن أخطب إلى أحدهم ولم أحدّث بما هممت به أحدا، والله لا أفعل ذلك أبدا، فقال: ما هذا والله إلّا شيطان في أشطان [2] ، فرجعنا إليه، ووقفنا عليه، فابتدر بالمقال، وبدأنا بالسّؤال، فقال لعلّكما آثرتما، أن تعرفا من أمري ما أنكرتما، فقلنا: كنت من قبل مطّلعا على أمورنا، ولم تعد الآن ما في صدورنا، ففسّر لنا أمرك، واكشف لنا سرّك، فقال:
أنا ينبوع العجائب ... في احتيالي ذو مراتب
أنا في الحقّ سنام ... أنا في الباطل غارب [3]
أنا إسكندر داري ... في بلاد الله سارب
أغتدي في الدّير قسي ... سا وفي المسجد راهب [4]
(1) لا نحير جوابا: لا نقول جوابا.
(2) الاشطان: الحبال.
(3) الغارب: الكاهل، أعلى الشيء. المعنى أنه في الحق والباطل متفوق وبارع.
(4) السارب: الذاهب في الأرض. المعنى أنه متقلب متجول لا يبقى على حال.