حدّثنا عيسى بن هشام قال:
كنت ببلاد الشّام، وانضمّ إليّ رفقة، فاجتمعنا ذات يوم في حلقة، فجعلنا نتذاكر الشّعر فنورد أبيات معانيه، ونتحاجى بمعاميه [1] ، وقد وقف علينا فتى يسمع وكأنّه يفهم، ويسكت وكأنّه يندم، فقلت: يا فتى قد آذانا وقوفك فإمّا أن تقعد، وإمّا أن تبعد، فقال: لا يمكنني القعود، ولكن أذهب فأعود، فالزموا مكانكم هذا، قلنا: نفعل وكرامة، ثمّ غاب بشخصه، وما لبث أن عاد لوقته، وقال: أين أنتم من تلك الأبيات؟ وما فعلتم بالمعيّات؟ سلوني عنها، فما سألناه عن بيت إلّا أجاب، ولا عن معنى إلا أصاب، ولمّا نفضنا الكنائن [2] ، وأفنينا الخزائن، عطف علينا سائلا، وكرّ مباحثا، فقال: عرّفوني أيّ بيت
(1) نتحاجى بمعاميه: يمتحن كل منا حجا صاحبه أي عقله. معاميه: معانيه الخفية.
(2) الكنائن: جمع كنانة وهي الوعاء الذي توضع فيه السهام.