وهيئة وكمال، وضرب الدّهر بنا ضروبه [1] ، وأنا أتمثّله في كلّ وقت، وأتذكّره في كلّ لمحة، ولا أظنّ أنّ الدّهر يسعدني به ويسعفني فيه، حتّى أتيت شيراز [2] ، فبينا أنا يوما في حجرتي إذ دخل كهل قد غبّر في وجهه الفقر، وانتزف ماءه الدّهر [3] ، وأمال قناته السّقم [4] ، وقلّم أظفاره العدم [5] ، بوجه أكسف من باله، وزيّ أوحش من حاله، ولثة نشفة، وشفة قشفة [6] ، ورجل وحلة، ويد محلة [7] ، وأنياب قد جرعها الضّرّ والعيش المرّ، وسلّم فازدرته عيني، لكنّي أجبته، فقال: اللهمّ اجعلنا خيرا ممّا يظنّ بنا، فبسطت له أسرّة وجهي، وفتقت له سمعي [8] ، وقلت له: إيه [9] ، فقال: قد أرضعتك ثدي حرمة، وشاركتك عنان عصمة، والمعرفة عند الكرام حرمة، والمودّة لحمة، فقلت: أبلديّ أنت أم عشيريّ؟ فقال: ما يجمعنا إلّا بلد الغربة، ولا ينظمنا إلّا رحم القربة [10] ، فقلت: أيّ الطّريق شدّنا في قرن [11] ؟ قال:
طريق اليمن.
(1) ضرب الدهر بنا ضروبه: لحقت بنا المحن.
(2) شيراز: مدينة كبيرة جميلة في إيران.
(3) انتزف ماءه الدهر: سلبه نضارته وشبابه.
(4) أمال قناته السقم: ألوى ظهره المرض.
(5) قلم أظفاره العدم: أضعفه وهون أمره.
(6) شفة قشفة: خشنة.
(7) يد محلة: يد فقيرة.
(8) فتقت له سمعي: أصغيت إليه.
(9) إيه: اسم فعل أمر بمعنى أمض في الحديث.
(10) القربة: الاقتراب في المكان.
(11) القرن: الحبل يربط البعيرين.