فرع سنامه جعل يحدّث القوم بحاله، ويخبرهم باختلاله، وينشر الملح في التّنّور من تحت أذياله، يوهمهم أنّ أذى بثيابه، فقال الخبّاز: ما لك لا أبا لك؟! اجمع أذيالك فقد أفسدت الخبز علينا، وقام إلى الرّغفان فرماها، وجعل الاسكندريّ يلقطها، ويتأبّطها، فأعجبتني حيلته فيما فعل، وقال: اصبر عليّ حتّى أحتال على الأدم [1] ، فلا حيلة مع العدم، وصار إلى رجل قد صفّف أواني نظيفة فيها ألوان الألبان، فسأله عن الأثمان، واستأذن في الذّوق، فقال: افعل، فأدار في الآنية إصبعه، كأنّه يطلب شيئا ضيّعه، ثمّ قال: ليس معي ثمنه، وهل لك رغبة في الحجامة؟ فقال: قبّحك الله! أنت حجّام؟ قال: نعم، فعمد لأعراضه يسبّها، وإلى الآنية يصبّها، فقال الاسكندريّ: آثرني على الشّيطان [2] ، فقال: خذها لا بورك لك فيها، فأخذها وأوينا إلى خلوة، وأكلناها بدفعة، وسرنا حتّى أتينا قرية استطعمنا أهلها، فبادر من بين الجماعة فتى إلى منزله، فجاءنا بصحفة قد سدّ اللّبن أنفاسها، حتّى بلغ رأسها، فجعلنا نتحسّاها، حتّى استوفيناها، وسألناهم الخبز، فأبوا إلّا بالثّمن، فقال الاسكندريّ: ما لكم تجودون باللّبن، وتمنعون الخبز إلّا بالثمن؟ فقال الغلام: كان هذا اللّبن في غضارة، قد وقعت فيه فارة، فنحن نتصدّق به على السّيّارة [3] ، فقال الاسكندريّ: إنّا لله! وأخذ الصّحفة فكسرها، فصاح الغلام: واحرباه [4] ، وامحروباه، فاقشعرّت منّا الجلدة، وانقلبت علينا المعدة، ونفضنا ما كنّا أكلناه،
(1) الأدم: ما يؤكل مع الخبز.
(2) آثرني على الشيطان: أعطني إياها بدل اراقتها على الأرض.
(3) غضارة: قصعة. السيارة: المارة.
(4) واحرباه: استغاثة تعني استلاب المال بالقوة.