الأوقاف، وكرديّ لا يغير إلّا على الضّعاف، وذئب لا يفترس عباد الله إلّا بين الرّكوع والسّجود، ومحارب لا ينهب مال الله إلّا بين العهود والشّهود، وقد لبس دنّيّته، وخلع دينيّته [1] ، وسوّى طيلسانه، وحرّف يده ولسانه [2] ، وقصّر سباله، وأطال حباله [3] ، وأبدى شقاشقه، وغطّى مخارقه [4] ، وبيّض لحيته، وسوّد صحيفته [5] ، وأظهر ورعه، وستر طمعه، قلت: لعن الله هذا، فمن أنت؟. قال: أنا رجل أعرف بالاسكندريّ، فقلت: سقى الله أرضا أنبتت هذا الفضل، وأبا خلّف هذا النّسل، فأين تريد؟ قال: الكعبة، فقلت: بخّ بخّ بأكلها ولما تطبخ [6] ، ونحن إذا رفاق، فقال: كيف ذلك وأنا مصعّد وأنت مصوّب؟! قلت: فكيف تصعّد إلى الكعبة؟ قال: أما إنّي أريد كعبة المحتاج، لا كعبة الحجّاج، ومشعر الكرم، لا مشعر الحرم، وبيت
(1) دينيته: صفته الدينية.
(2) الطيلسان: رداء أخضر يلبسه عادة النساك. حرف يده ولسانه: احدهما.
(3) قصر سباله: قصر شواربه علامة الورع.
حباله: أي شباكه التي يصيد بها أحوال الناس.
(4) الشقاشق، جمع شقشقة: ما يخرج من فحل الابل لدى هياجه وترجيع هديره. وشبّه به الخطيب الذي يعلو صوته مع ذرابة اللسان. مخارقه: جمع مخرقة. ومخرق الرجل إذا أوهم في كلامه انه على حق وهو ليس لذلك في الواقع.
(5) بيض لحيته: خطها الشيب دليل التقدم في السن. وسود صفحته: سيرته سيئة.
(6) بخ بخ: عظم الأمر وفخم. تقال للدلالة على الإعجاب والمديح.