عليك لصّين: أحدهما الكرم، واسم الآخر القرم [1] ، فإيّاك وإيّاهما إنّ الكرم أسرع في المال من السّوس، وإنّ القرم أشأم من البسوس [2] . ودعني من قولهم «إنّ الله كريم» إنّها خدعة الصّبي عن اللّبن، بلى إنّ الله لكريم، ولكنّ كرم الله يزيدنا ولا ينقصه، وينفعنا ولا يضرّه، ومن كانت هذه حاله، فلتكرم خصاله، فأمّا كرم لا يزيدك حتّى ينقصني، ولا يريشك حتّى يبريني [3] ، فخذلان لا أقول عبقريّ، ولكن بقريّ [4] . أفهمتهما يا ابن المشؤومة؟ إنّما التّجارة، تنبط [5]
الماء من الحجارة، وبين الأكلة والأكلة ريح البحر، بيد أن لا خطر، والصّين غير أن لا سفر، افتتركه وهو معرض ثمّ تطلبه وهو معوز [6] ؟
أفهمتها لا أمّ لك؟ إنّه المال عافاك الله فلا تنفقنّ إلّا من الرّبح، وعليك بالخبز والملح، ولك في الخلّ والبصل رخصة ما لم تذمّهما،
(1) القرم: شدة الشهوة إلى اللحم أو الطعام عامة.
(2) البسوس: هي خالة جساس بن مرة. نزلت ضيفة عليه ومعها ناقة اسمها سراب، أطلقتها ترعى في حمى كليب وائل، فرآها كليب وأنكرها ورماها بسهم، فاستغاثت البسوس بابن أخيها فذهب وقتل كليبا، فاشتعلت الحرب بين قبيلتي جساس وكليب أبي بكر ووائل واستمرت زمنا طويلا. فكانت البسوس شؤما على قومها جميعا.
(3) يريش: أي يجعل له ريشا. يبريه: ينحته. والمعنى أن الكرم الذي ينقص مال شخص ليزيد في مال آخر ليس فضيلة أو صادرا عن عقل راجح.
(4) عبقري: وليد العبقرية أو شدة الذكاء والحذق. بقري: كذب ودهاء.
(5) تنبط: تخرج.
(6) ريح البحر: الشدة والخطر. الصين: كناية عن البعد. والمعنى: فكر فيما تبذله من جهد في تحصيل قوتك وأن البحر قد هاج عليك وأنت مسافر، فإنك تطلب النجاة. وإذا كان الأمر كذلك فينبغي ألا تنفق مالك بالجود.