الهجمة وفرط الزّحمة، فإذا هو قرّاد يرقص قرده، ويضحك من عنده، فرقصت رقص المحرّج [1] ، وسرت سير الأعرج [2] ، فوق رقاب النّاس يلفظني عاتق هذا لسرّة ذاك، حتّى افترشت لحية رجلين، وقعدت بعد الاين [3] ، وقد أشرقني الخجل بريقه [4] ، وأرهقني المكان بضيقه، فلمّا فرغ القرّاد من شغله، وانتفض المجلس عن أهله، قمت وقد كساني الدّهش حلّته، ووقفت لأرى صورته، فإذا هو والله أبو الفتح الإسكندريّ، فقلت: ما هذه الدّناءة ويحك، فأنشأ يقول:
الذّنب للأيّام لا لي ... فاعتب على صرف اللّيالي [5]
بالحمق أدركت المنى ... ورفلت في حلل الجمال [6]
(1) المحرج: الكلب الذي روضه صاحبه على الرقص.
(2) سير الأعرج: أي يتلوى في سيره يمينا وشمالا كالأعرج.
(3) الأين: التعب.
(4) أشرقني: أغصني.
(5) صرف الليالي: مصائبها. والمعنى: لا ذنب لي فيما أصنع، وإنما هو ذنب الليالي.
(6) رفل في حلل الجمال: لبس الثياب الجميلة. والمعنى أنه أدرك ما أراد بتجاهله لأن الزمان لا يساعد إلا الجهلاء.