وقد تقرر في الأصول: أن الموصولات كالذي والتي وفروعهما من صيغ العموم. لعمومها في كل ما تشمله صلاتها، وعقده في مراقي السعود بقوله في صيغ العموم: صيغة كل أو الجميع وقد تلا الذي التي الفروع
ومراده بالبيت: أن لفظة «كل، وجميع، والذي، والتي» وفروعهما كل ذلك من صيغ العموم. فقوله تعالى: {وَسِيقَ ?لَّذِينَ كَفَرُو?اْ إِلَى? جَهَنَّمَ زُمَرًا} إلى قوله {يَوْمِكُمْ هَـ?ذَا} عام في جميع الكفار. وهو ظاهر في أن جميع أهل النار قد أنذرتهم الرسل في دار الدنيا. فعصوا أمر ربهم كما هو واضح.
ونظيره أيضًا قوله تعالى: {وَ?لَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى? عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍوَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـ?لِحًا غَيْرَ ?لَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ?لنَّذِيرُ} . فقوله {وَسِيقَ ?لَّذِينَ كَفَرُو?اْ إِلَى? جَهَنَّمَ} إلى قوله {?لنَّذِيرُ فَذُوقُواْ} عام أيضًا في جميع أهل النار. كما تقدم إيضاحه قريبًا.
ونظير ذلك قوله تعالى: {وَقَالَ ?لَّذِينَ فِى ?لنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ?دْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ ?لْعَذَابِقَالُو?اْ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِ?لْبَيِّنَـ?تِ قَالُواْ بَلَى? قَالُواْ فَ?دْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ?لْكَـ?فِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـ?لٍ} ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن جميع أهل النار أنذرتهم الرسل في دار الدنيا.
وهذه الآيات التي ذكرنا وأمثالها في القرآن تدل على عذر أهل الفترة بأنهم لم يأتهم نذير ولو ماتوا على الكفر. وبهذا قالت جماعة من أهل العلم.
وذهبت جماعة أخرى من أهل العلم إلى أن كل من مات على الكفر فهو في النار ولو لم يأته نذير، واستدلوا بظواهر آيات من كتاب الله، وبأحاديث عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. فمن الآيات التي استدلوا بها قوله تعالى: {وَلاَ ?لَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـ?ئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} ، وقوله: {إِن ?لَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَـ?ئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ?للَّهِ وَ?لْمَلـ?ئِكَةِ وَ?لنَّاسِ أَجْمَعِينَ} ، وقوله: {إِنَّ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ?لاٌّرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ ?فْتَدَى? بِهِ أُوْلَـ?ئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّـ?صِرِينَ} ، وقوله: {إِنَّ ?للَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} ، وقوله: {وَمَن يُشْرِكْ بِ?للَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ?لسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ?لطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ ?لرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ} ، وقوله {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِ?للَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ?للَّهُ عَلَيهِ ?لْجَنَّةَ} ، وقوله: {قَالُو?اْ إِنَّ ?للَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ?لْكَـ?فِرِينَ} ،إلى غير ذلك من الآيات.
وظاهر جميع هذه الآيات العموم. لأنها لم تخصص كافرًا دون كافر، بل ظاهرها شمول جميع الكفار.
ومن الأحاديث الدالة على أن الكفار لا يعذرون في كفرهم بالفترة ما أخرجه مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أَنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، أَين أَبي؟. قال: «في النَّار» فلما قفى دعاه فقال: «إنَّ أَبي وأباك في النَّار» اهـ وقال مسلم رحمه الله في صحيحه أيضًا: حدثنا يَحْيَى بن أيوب، ومحمد بن عباد ـ واللفظ ليحيى ـ قالا: حدثنا مروان بن معاوية، عن يزيد يعني ابن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي» حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب قالا: حدثنا محمد بن عبيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: زار النَّبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأَبكى من حوله. فقال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكِّر الموت» اهـ إلى غير ذلك
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)