(12) انظر: الرحلات إلى شبه الجزيرة العربية (من إصدار دارة الملك عبد العزيز بالرياض، 1/ 249، وتاريخ الجزيرة، لمسعود الجزائري، ص 284) .
المصدر: مجلة البيان - العدد: 213 - جماد الأولى 1426 هـ
جانب الدعوة في شخصية الشيخ محمد بن عبد الوهاب
عبد العزيز آل عبد اللطيف
حظيت دعوة محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- بدراسات كثيرة، وبحوث متنوعة، سواء كانت تلك الدراسات والبحوث في سيرة وترجمة صاحب هذه الدعوة، أو بيان مؤلفاته وآثاره العلمية، أو عرض لمنهجه في تقرير العقيدة، ومنها ما يتحدث عن أثر هذه الدعوة المباركة داخل الجزيرة العربية أو خارجها، ونوعية هذه الآثار سياسية كانت أو علمية أو اجتماعية .. وغيرها.
ومع هذا الكم من الدراسات إلا أن هناك جوانب مهمة لم تأخذ حقها من الدراسة والتحليل، وفي هذه المقالة سأتعرض لأحد هذه الجوانب المهملة من حياة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، وهو جانب الدعوة، وبيان فقهه للدعوة، وأساليبها.
إن في كتب محمد بن عبد الوهاب عمومًا ورسائله الشخصية (1) خصوصًا والتي يبعثها إلى البلدان والعلماء والأمراء؛ معالم مهمة يحتاج إليها الكثير من الدعاة إلى الله في هذا الزمان.
1 -يركز الشيخ محمد بن عبد الوهاب كثيرًا على بيان وضوح هدفه وغايته من هذه الدعوة فهو يدعو إلى الله وحده لا شريك له، مخلصًا له الدين، ويحرص أيما حرص على اتباع الحق مهما كانت الأحوال.
يقول رحمه الله:
ولست -ولله الحمد- أدعو إلى مذهب صوفي، أو فقيه، أو متكلم، أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل ابن القيم، والذهبي، وابن كثير وغيرهم، بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، التي أوصى بها أول أمته وآخرهم، وأرجو أني لا أرد الحق إذا أتاني، بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه إن أتانا منكم كلمة من الحق لأقبلها على الرأس والعين. (2)
ويقول عن قوله تعالى (( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحَانَ اللَّهِ ومَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ ) ) [يوسف:108] » التنبيه على الإخلاص، لأن كثيرًا لو دعا إلى الحق، فهو يدعو إلى نفسه « (3) .إن هذه الحقيقة البديهية وهي أن يدعو الشخص إلى الله لا إلى نفسه لا بد من استحضارها في جميع أحوالنا، بالإخلاص، وكم نغفل عن هذه الحقيقة، فيدعو الشخص إلى ما هو حق وصدق في ذاته، ولكن القصد هو مصلحة جماعة أو فرد أو نحوهما مما هو من حظوظ النفس، وربما كان هذا القصد مشوبًا بالإخلاص لله!! وقد يغيب عن الكثير أن هذه الدعوة لله وحده لا شريك له، أيًا كان هذا الشريك.
ونلمس كما هو ظاهر من خلال النص الأول من كلام الشيخ، حرصه على اتباع الحق والبحث عنه ونجده مرة أخرى -يقول- مخاطبًا أحد سائليه:» وأنا أجيبك عن الكتاب جملة، فإن كان الصواب فيه فنبهني وأرجع (أي وسأرجع) إلى الحق .. فالواجب على المؤمن أن يدور مع الحق حيث دار» (4)
إن التجرد في طلب الحق، واتباع الدليل والبرهان من أهم صفات الدعاة إلى الله السائرين على منهج سيد المرسلين محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-، وكم يحزن المسلم عندما يرى دعاة قد تحكمت بهم قناعات وآراء بلا دليل أو برهان فلا يقبلون لها صرفًا ولا عدلًا. وهكذا ندرك أن الشيخ قد صدق مع الله، وأخلص قصده لوجه الله، واتبع الحق حيث دار، ومن ثم وفقه الله، وحظيت دعوته بالتمكين، ونالت القبول في كثير من البلاد والعباد.
2 -وفق الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب لاستعمال الحكمة في دعوته، فنجده مراعيًا أحوال الناس، ومنازلهم، ومدى قربهم من الحق أو عكسه، ومن ثم يتنوع أسلوبه في الدعوة حسب حال المدعو ومكانته. فعندما يخاطب أمير العُيينة عثمان بن معمر -والذي ناصر الدعوة في أول أمرها- يخاطبه بأسلوب فيه ترغيب وتحبيب فيقول:» إني أرجو إن قمت بنصر لا إله إلا الله أن يظهرك الله تعالى، وتملك نجدًا وأعرابها «. (5)
ويخاطب شيخه عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الأحسائي بأسلوب تظهر فيه المحبة وصدق المودة فيقول له:» فإني أحبك، وقد دعوت لك في صلاتي وما أحسنك لو تكون في آخر هذا الزمان فاروقًا لدين الله تعالى كعمر رضي الله عنه «. (6)
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)