ـ [سليمان الخراشي] ــــــــ [05 - 08 - 05, 08:12 ص] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ملخص مفيد ذكره الشيخ مشهور - حفظه الله - في تحقيقه لكتاب"الإنجاد في أبواب الجهاد"لابن المناصف (1/ 15 - 17) ؛ لمسألة مهمة تتردد بين الحين والآخر؛ فقال:
(اختلف العلماء فيما إذا كان القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متأكدًا من عدم التأثير؛ أو إن أمره ونهيه لا يفيد، ولا يعود بطائل، على قولين:
الأول: لا يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه الحالة، وهو قول أبي حامد الغزالي في"إحياء علوم الدين" (2/ 280) ، إذ قال -رحمه الله تعالى-:"... أن يعلم أنه لا يفيد إنكاره، ولكنه لا يخاف، فلا تجب عليه الحسبة، لعدم فائدتها، ولكن تستحب لإظهار شعائر الإسلام، وتذكير الناس بأمر الدين"، وهو اختيار عز الدين عبداللطيف بن عبدالعزيز المعروف بابن ملك (ت797هـ) في"مبارق الأزهار في شرح مشارق الأنوار" (1/ 50) حيث قال:"وأما النهي عن المنكر فلوجوبه شرائط منها: أن يغلب على ظنه أن نهيه مؤثر لا عبث"، وإليه مال التفتازاني في"شرح المقاصد" (2/ 281) ، بقوله وهو يتحدث عن شروط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:"منها تجويز التأثير، بأن لا يعلم عدم التأثير قطعًا، لئلا يكون عبثًا واشتغالًا بما لا يعني، فإن قيل: يجب، وإن لم يؤثر، إعزازًا للدين، قلنا: ربما يكون إذلالًا".
الثاني: ويرى بعض العلماء أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجب في هذه الحالة، وهذا رواية عن الإمام أحمد، وصححه أبو يعلى، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وعزاه ابن رجب إلى أكثر العلماء، كما في"لوامع الأنوار البهية" (2/ 435) ، وهو اختيار المصنف.
يقول الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في"شرح صحيح مسلم" (2/ 23) :"قال العلماء: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، وقد قدمنا أن الذي عليه الأمر والنهي لا القبول، وكما قال الله -عز وجل-: ?ما على الرسول إلا البلاغ? [المائدة:99] ".
والذي أراه راجحًا في هذه المسألة القول الثاني؛ لما يلي:
أولًا: إذا جرى الحديث عن تأثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو عدم تأثيره، أريد به ظهور المعروف حينما أمر به، وانتفاء المنكر حينما نهى عنه، وبالعكس، ولكن لننظر في الأمر من وجهة نظر أخرى، وهي أن المسلم -ولو لم يؤثر فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تأثيرًا عاجلًا- لابد أن يتأثر في شعوره إلى حد ما، ومن الممكن أن يصير هذا التأثير، سببًا لفعله المعروف، وتركه المنكر فيما بعد، ومن هذه الناحية درس الإمام محمد بن الحسن الشيباني في"شرح السير الكبير" (3/ 239 - 240) ، نفسيَّة الأمة المسلمة، مراعاة كاملة، فقال:"وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يسعه الإقدام، وإن كان يعلم أن القوم يقتلونه، وأنه لا يتفرق جمعهم بسببه؛ لأن القوم هناك مسلمون، معتقدون لما يأمرهم به، فلابد من أن فعله ينكئ في قلوبهم، وإن كانوا لا يظهرون ذلك".
ثانيًا: إذا أهمل السعي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة عدم جدواه، تقطعت أسباب الرجاء عن الإصلاح، وهلك المجتمع كله.
ثالثًا: لا يصح بناء الحكم الفقهي على (التأثير) و (عدمه) فنقول: يجب الأمر بالمعروف عند حصول التأثير والإفادة، والعكس بالعكس؛ لأن التأثير وعدمه أمر غير ظاهر وغير منضبط، فكم من مأمور بالمعروف يُرجى فيه الخير ومنهي عن المنكر لا يرجى فيه ذلك، ولا يستجيب الأول ويستجيب الثاني.
رابعًا: إن صح القول الأول فيحمل على أن العامة عليهم أن يحافظوا على دينهم وإيمانهم، ولا يصح أن يلقى عليهم أعباء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن الخاصة منهم -أيضًا- إن لم يتقدموا إلى ذلك ظلموا أنفسهم وقدراتهم وإمكاناتهم.
وانظر بسطًا للمسألة في:"أحكام القرآن" (2/ 797) ، و"مختصر الفتاوى المصرية" (58) ، و"اقتضاء الصراط المستقيم" (1/ 148، 149) ، و"طبقات الحنابلة" (2/ 280) ، و"الآداب الشرعية" (1/ 178) ، و"نصاب الاحتساب" (313) ، و"أضواء البيان" (1/ 175) ، و"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (ص:157 وما بعدها) لجلال العمري، و"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وواقع المسلمين اليوم" (ص:103 وما بعدها) لصالح الدرويش، و"الأمر بالمعروف"لعبدالرحمن المقيط (ص50) ، و"الأمر بالمعروف" (ص386) لخالد السبت، و"الجواب الأبهر لمن سأل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (ص57 - 61) ، و"أصول الدعوة" (190، 312) لعبدالكريم زيدان.).
تنبيه متعلق بالكتاب السابق: ذكر ابن المناصف حالات الجهاد؛ وأنها لاتخرج عن ثلاث حالات - كما هو التقسيم المشهور: 1 - أن يكون فرض عين .. 2 - فرض كفاية .. 3 - نافلة ..
فعلق الشيخ مشهور في الهامش: (بقيت حالة رابعة؛ وهي مهمة جدا، وهي تخص نوازل الجهاد في هذا الزمان، فقد تقع وستجدّ(هكذا ولعلها تستجد) ملابسات، ماكانت في حسبان فقهائنا الأقدمين؛ تؤثر على الحكم العيني أو الكفائي .... الخ ماذكر). (1/ 42 - 50) .
ولم يتبين لي مايقصد بهذه الحال الرابعة؟
وفي ظني أن في تكثير الحالات فتحًا لباب مخالفة النصوص أو الاجماع؛ دون أن نشعر.
وكان الأولى في نظري أن يبقي الشيخ على تقسيم الفقهاء ولايزيد عليه أحوالا متخيلة؛ ثم ينبه إلى أن الحكم على كل واقعة منوط بالعلماء؛ حتى يبينوا أهي من الجهاد العيني أو الكفائي؟ أفي الجهر والمواجهة مصالح أو تغلب المفاسد؟ ... الخ
هذا - في نظري - أسلم وأحكم.
وفق الله الشيخ مشهورًا؛ فتحقيقاته وكتاباته - وإن خولف في بعضها - تنبئ عن رجل جادّ محقق، ولاتخلو من تفرد وتميز.
والله الهادي ..
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)