واجعلنا مِنَ العَامِلِينَ بِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا الدَّاعِينَ إليه، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ الأحْيَاءِ منْهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
موعظة: عِبَادَ اللهِ مَا نَدمَ مَنْ أَطَاعَ اللهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ، وَلا عَادَتْ الطَّاعَاتُ عَلَى صَاحِبِهَا إِلا بِالخَيْرِ وَالبَرَكَةِ فِي كُلِّ آنٍ، وَالعُصَاةُ فِي كُلِّ زَمَنٍ هُمْ المَمْقُتُونَ مَهْمَا ابْتَسَمْتْ لَهُمْ الدُّنْيَا وَقَضُوا فِيهَا بَعْضَ مَآرِبِهِمْ، وَمَهْمَا هَامُوا بِحُبِّهَا وَأَحْكَمُوا أَسَالِيبَ جَمْعِهَا، فَإِنَّ الدُّنْيَا لا تَبْتَسِمُ لِفَاسِقٍ إِلا لِتَسْحَقَهُ، وَلا تَفْتَحُ ذِرَاعَيْهَا لِمُقْبِلٍ عَلَيْهَا إِلا لِتُحْرِقَهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} فَمَاذَا غَرَّكَ فِيهَا أَيُّهَا المِسْكِينُ، إِنْ كَانَ الذِي غَرَّكَ فِيهَا كَثْرَةُ النَّقْدَيْنِ أَوْ مَا نَابَ مَنَابَهُمَا مِنْ أَوْرَاقٍ، فَإِنَّ الجَنَّةَ حَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ، وَتُرَابُها الزَّعْفَرَانُ، وَبِنَاؤُهَا الذَّهَبُ وَالفِضَّةُ، وَالدُّرُ وَاليَاقُوتُ، وَإِنْ كَانَ الذِي غَرَّكَ مِنْهَا فَوَاكِهُهَا وَمَطْعُومَاتِهَا وَمَا حَوْتَ مِنْ مَتَاعٍ، فَإِنَّ فِي الجَنَّةِ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، وَإِنْ كَانَ الذِي غَرَّكَ جَمَالُ نِسَائِهَا، فَإِنَّ فِي الجَنَّةِ: {قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} ، {وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا} لَوْ ظَهَرَ بَنَانُ إِحْدَاهُنَّ عَلَى الدُّنْيَا لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ فِي خَدِّهَا أَصْفَى مِنَ المِرْآةِ، وَتُسَرُّ بِمُشَاهَدَتِهَا سُرُورًا لا يَعْلَمُ قَدْرَهُ إِلا اللهُ، لا تَنْظُرُ إِلا إليها وَلا تَنْظُرُ إِلا إليك، لا تَتَكَلَّمْ إِلا بِمَا يَسُرُّكَ، تَأْمُرُهَا فَتَخْضَعُ، وَتُحَدِثُّهَا فَتَسْمَعُ، إِذَا تَكَلَّمَتْ أَطْرَبَتْ، لا تَفْتَخِرُ عَلَيْكَ بِحُسْنِهَا وَجَمَالِهَا، وَلا تَمُنُّ بِجَمِيلِ صُنْعِهَا، لا تَنْفُرُ مِنْكَ وَلا تَغْضَبُ، وَلا تَلْهُو عَنْكَ وَلا تَصْخَبُ، الجَمَالُ كِسَاؤُهَا، وَالكَمالُ رِدَاؤُهَا، وَالوُدُّ وَالوَفَاءُ مِنْ طَبْعِهَا، لا يَعْلُو صَوْتُهَا عَلَى صَوْتِكَ، وَلا تَجْتَهِدُ إِلا فِي مَرْضَاتِكَ، هَادِئَةً، سَاكِنَةً رَاضِيَةً. تِلْكَ وَأْمَثالُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ المَعْلُومِينَ، مِن قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}