الدنيا الذي يتنافس عليه الصغار، وتطمح ببصرها نحو نعيم الآخرة الخالد الذي يتنافس فيه الكبار [1] .
7 ـ المرء بأصغريه قلبه ولسانه: كان بين وفد المهنئين لعمر بالخلافة من أهل الحجاز غلام صغير وكان الوفد قد اختار الغلام ليتكلم عنهم، وهو أصغرهم، فلما بدأ بالكلام قال له عمر: مهلًا يا غلام ليتكلم من هو أسن منك، فقال الغلام: مهلًا يا أمير المؤمنين، المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، فإذا منح الله العبد لسانًا لافظًاُ وقلبًا حافظًا، فقد إستجاد له الحلية [2] ، يا أمير المؤمنين لو كان التقدم بالسن لكان في الأمة من هو أسن منك ـ أي أحق بمجلسك هذا ممن هو أكبر منك سنًا [3] ـ. فقال عمر: تحدث يا غلام، قال: نعم يا أمير المؤمنين، نحن وفود التهنئة لا وفود المرزئة [4] ، قدمنا إليك من بلدنا، نحمد الله الذي منَّ بك علينا لم يخرجنا إليك رغبة ولا رهبة، أما الرغبة فقد أتانا منك إلي بلدنا، وأما الرهبة فقد أمّننا الله بعدلك من جورك [5] فأعجب عمر بفصاحة الغلام وعلمه، وسداد رأيه، فما كان من عمر إلا أن شجعه على ذلك، وزاده ثقة بنفسه وجراءة ليكون هذا الحادث موقفًا تربويًا يتعلم فيه الغلام في حضرة خليفة المسلمين، فطلب منه الموعظة فقال: عظنا يا غلام وأوجز، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، إن أناسًا من الناس غرهم حلم الله عنهم، وطول أملهم وحسن ثناء الناس عليهم، فلا يغرنك حلم الله عنك، وطول أملك وحسن ثناء الناس عليك فتزل قدمك ثم نظر عمر في سن الغلام فإذا هو قد أتت عليه بضع عشرة سنة، فأنشأ يقول:
تعلم فليس المرء يولد عالمًا
وليس أخو علم كمن بات جاهل
وإن كبير القوم لا علم عنده
صغير إذا التفت عليه المحافل [6]
(1) التاريخ الإسلامي (15/ 24) .
(2) إستجاد له الحلية: استحق أن يتكلم.
(3) النموذج الإداري المستخلص من إدارة عمر بن عبد العزيز صـ79.
(4) الإرتزاء: انتقاص الشيء: والمرزئة: الرزيئة وهي المصيبة.
(5) مروج الذهب (3/ 197) .
(6) النموذج الإداري المستخلص من إدارة عمر بن عبد العزيز, ص (98) .