الرقة شمال شرقي سورية ـ قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز: أما بعد فَمُرْ أهل الفقه والعلم من عندك، فلينشروا ما علمهم الله في مجالسهم، ومساجدهم [1] .
3 ـ توجيه الأمة إلى أهمية العلم: وفي ذلك يقول: إن استطعت فكن عالمًا فإن لم تستطع، فكن متعلمًا، فإن لم تستطع فأحبهم، فإن لم تستطع فلا تبغضهم. ثم قال: لقد جعل الله له مخرجًا إن قبل [2] .
كان عمر بن عبد العزيز يرسل العلماء إلى الأمصار بل البوادي ليعلّموا أهلها شرع الله، ويفقهوهم فيه، فقد بعث يزيد بن أبي مالك والحارث بن محمد إلى البادية ليعلما الناس السنة، وأجرى عليهم الرزق، فقبل يزيد ولم يقبل الحارث وقال: ما كنت لآخذ على علم علمنيه الله أجرًا. فذكر ذلك لعمر فقال: ما نعلم بما صنع يزيد بأسًا، وأكثر الله فينا مثل الحارث [3] . وقد عبر عمر بهذا الجواب عما يجب أن يتحلى به الحاكم المسلم من مرونة فكرية، وعدم جمود على الأشكال، حيث أعلن أن أخذ الأموال لقاء لخدمات العلمية أمر لا بأس به، وسأل الله ـ من جهة أخرى ـ أن يكثر أولئك الذين يقومون بهذه الخدمات دون أجر إلا أجر الله [4] . وقد بعث عمر إلى مصر الإمام المفتي الثبت، عالم المدينة (نافعًا) مولى ابن عمر، وراويته، فعن عبد الله بن عمر: بعث عمر بن عبد العزيز نافعًا مولى ابن عمر إلى أهل مصر يعلمهم السنن [5] ، وأرسل عشرة من فقهاء المدرسة المصرية من رجال التابعين على أفريقية، ليفقهوا أهلها ويعلموهم، وينشروا بينهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، لينالهم من الخير مثل الذي عمّ إخوانهم من أهل الحجاز والشام والعراق، وكانت معاقل العلم [6] ، وتطلع إلى شمال أفريقيا، ليغزو القلوب والعقول والنفوس بدين الله، فأرسل العلماء الربانيين العشرة بعد أن وضع أهدافًا لخطته التعليمية في ذلك الإقليم منها:
(1) جامع بيان العلم (1/ 149) .
(2) ابن عبد الحكم نقلًا عن عمر للزحيلي صـ74.
(3) سيرة عمر لابن عبد الحكم صـ160، ملامح الانقلاب صـ184.
(4) ملامح الانقلاب الإسلامي في خلافة عمر صـ184.
(5) سير أعلام النبلاء (5/ 979 تذكرة الحفاط(1/ 100) .
(6) عمر بن عبد العزيز، عبد الستار الشيخ صـ69.