قال: فبكى الحسن حتى بلّ الثرى، ثم التزم الفرزدق وقال: لقد كنت من أبغض الناس إليَّ، وإنك اليوم من أحب الناس إلي [1] . وكان الحسن يتعظ بالمقابر ويتدبر في أحوالها، فعن عوانه قال: قال الحسن: قدم علينا بشر بن مروان ـ أخو عبد الملك بن مروان الخليفة ـ أمير المصرين، وأشب الناس، وأقام عندنا أربعين يومًا، ثم طعن في قدميه فمات،، وأخرجناه إلى قبره، فلما صرنا إلى الجبان فإذا نحن بأربعة سودان يحملون صاحبًا لهم إلى قبره، فوضعنا السرير فصلينا عليه، ووضعوا صاحبهم فصلوا عليه، ثم حملنا بشرًا إلى قبره وحملوا صاحبهم إلى قبره، ودفنا بشرًا ودفنوا صاحبهم ثم انصرفوا وانصرفنا، ثم التفت التفاتة فلم أعرف قبر بشر من قبر الحبشي، فلم أر شيئًا قط كان أعجب منه [2] . وقد ذكر العلماء أمور أخرى تزيل قسوة القلوب كالإحسان إلى اليتامى والمساكين، والنظر في ديار الهالكين والاعتبار بمنازل الغابرين [3] .
ـ الإخلاص: إن لإخلاص العمل تأثيرًا عظيمًا في مكارم الأخلاق، فهو يمد قلب صاحبه بقوَّة، تجعله ينهض للمكارم ابتغاء وجه الله، غير منتظر من أحد جزاءً ولا شكورًا يشرح صدره للحلم والعفو ومعالي الأخلاق امتثالًا لأمر الله، وطلبًا لرضاه والفوز بنعيم الآخرة، فهو إن أبغض فبغضه لله وهكذا في شأنه كله [4] ، قال تعالى: (( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) ) (الأنعام، الآيتان: 162 ـ 163) . فكان الحسن يقول: من تزين للناس بما لا يعلمه الله منه شانه ذلك [5] . وكان يقول: روي عن بعض الصالحين أنه كان يقول: أفضل الزهد إخفاء الزهد [6] وقيل وعظ يومًا، فتنفس رجل الصعداء، فقال: يا ابن أخي ما عساك أردت بما صنعت؟ إن كنت صادقًا فقد شهرت نفسك، وإن كنت كاذبًا فقد أهلكتها ولقد كان الناس
(1) الحسن البصري د. مصطفى الخن صـ345 نقلًا عن البداية والنهاية.
(2) البيان والتبيين (3/ 147) الحسن البصري د. مصطفى الحن صـ349.
(3) مجموع رسائل الحافظ بن رجب (1/ 264 إلى 270) .
(4) الأخلاق بين الطبع والتطبع صـ21.
(5) حياة الحسن البصري، روضة الحصري صـ170.
(6) المصدر نفسه صـ170.