اعملوا خانات في بلادكم فمن مر بكم من المسلمين، فاقروهم يومًا وليلة وتعهدوا دوابهم فمن كانت به علّة فاقروهم يومين وليلتين، فإن كان منقطعًا به فقوّوه بما يصل به إلى بلده [1] ، وقد عزّ في زمن عمر وجود من يقبل الزكاة يقول عمر بن أسيد: والله ما مات عمر بن عبد العزيز حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون، فما يبرح يرجع بماله كله قد أغنى عمر الناس [2] ، وكانت حرمة المسلمين فوق كل الأموال فقد كتب إلى عماله: أن فادوا بأسارى المسلمين، وإن أحاط ذلك بجميع مالهم [3] ، ولاتزال خلافة عمر بن عبد العزيز حجة تاريخية، على كل أولئك الذين يشككون في إمكانية إقامة نظام اقتصادي إسلامي وبرهانًا ساطعًا على أن الاحتكام للشريعة الربانية هو وحده الذي يكفل للناس السعادة في الدنيا والآخرة [4] .
فقد كان فيه لعمر القدح المعلاّة، وكان بحق وارثًا فيه لجدّه لأمه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد ضرب فيه على النقود عبارة: أمر الله بالوفاء والعدل [5] ، وطلب أن لا يقام على أحد حد إلا بعد علمه [6] ، وكتب لعامله الجراح بن عبد الله الحكمي أمير خراسان: يا ابن أم جراح: لا تضربن مؤمنًا ولا معاهدًا سوطا إلا في حق، واحذر القصاص، فإنك صائر إلى من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وتقرأ كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا إحصاها [7] . وأنصف أهل الذمة وأمر أن لا يعتدي عليهم أو على معابدهم وكتب إلى عماله: لا تهدموا كنيسة ولا بيعة، ولا بيت نار صولحتم عليه [8] ، وقد رفع المكس وحطّ العشور والضرائب التي فرضتها الحكومات السابقة، وأطلق للناس حرية التجارة في البر والبحر، وقد تبرأ من المظالم التي كان يرتكبها بنو أمية وتبرأ من الحجّاج وأفعاله وأنكر على عمّاله الاستنان بسنته [9] .
(1) المصدر نفسه (7/ 472) ..
(2) سير أعلام النبلاء (5/ 588) .
(3) سيرة عمر لابن الجوزي صـ120.
(4) خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز صـ41 ـ 42.
(5) سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي صـ98.
(6) تاريخ الطبري (7/ 474) .
(7) تاريخ الطبري (7/ 464) .
(8) المصدر نفسه (7/ 477) .
(9) سيرة ومناقب عمر صـ107ـ108.