مني فيه، ولا طلبة له، ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لآنفسكم فصاح الناس صيحة واحدة: قد اخترناك يا أمير المؤمنين، ورضينا بك: فَلِ أمرنا باليُمن والبركة [1] . وبهذا يكون عمر قد قام بأول عمل تجديدي، حيث أعفى الناس من الملك العضوض، ولم يجبرهم على القبول بمن لم يختاروه، بل رد الأمر إليهم وجعله شورى بينهم [2] .
فقد تواترت النقول المفيدة أنه بلغ من حرصه على ذلك أقصى المراتب فقد استشعر عظم المسؤولية وضخامة الحمل منذ اللحظة الأولى لاستلامه الخلافة، فقال لمن سأله: مالي أراك مغتمًا؟ قال: لمثل ما أنا فيه فليُغتم، ليس أحد من الأمة إلا وأنا أريد أن أوصل إليه حقه غير كاتب إليّ فيه، ولا طالبه مني [3] . وقال: لست بخير من أحد منكم، ولكن أثقلكم حملًا [4] . وكان يطالب عمّاله باختيار أصحاب الكفاءة والدين فيمن يولونه شأنا من شؤون المسلمين، فقد كتب إلى أحد عمّاله: لا تولين شيئًا من أمر المسلمين إلا المعروف بالنصيحة لهم، والتوفير عليهم، وأداء الأمانة فيها استرعى [5] ، ولم تكن سياسته في التورع عن أموال المسلمين سياسة طبقها على خاصة نفسه فقط بل أزم بها عمّاله وولاته، فقد كتب إلى عامله أبي بكر بن حزم: أن أدق قلمك، وقارب بين أسطرك، فإني أكره أن أخرج من أموال المسلمين مالًا ينتفعون به [6] ، وقد ساس رعيته سياسة رحيمة، وأمَّن لهم عيشًا رغيدًا وكفاهم مذلة السؤال، فقسم فضول العطاء في أهل الحاجات [7] ، وقسم في فقراء أهل البصرة ثلاثة دراهم لكل إنسان، وأعطى الزمنى خمسين خمسين [8] ، وطلب من عماله أن يجهزوا من أراد أداء فريضة الحج [9] ، وكتب إلى عماله: أن
(1) سيرة ومناقب عمر لابن الجوزي صـ65.
(2) التجديد في الفكر الإسلامي د. عدنان محمد صـ79.
(3) سير أعلام النبلاء (5/ 586) .
(4) المصدر نفسه (5/ 586) .
(5) تاريخ الطبري، نقلًا عن التجديد في الفكر الإسلامي صـ81.
(6) سير أعلام النبلاء (5/ 595) .
(7) تاريخ الطبري، نقلًا عن التجديد في الفكر الإسلامي صـ81.
(8) تاريخ الطبري (7/ 474) .
(9) تاريخ الطبري (7/ 474) .