المجتمع، فقد كان واسع العلم غزير المادة في التفسير والحديث، ولم يكن لأحد في ذلك العصر أن ينشر دعوته ويقوم بالإصلاح، إلا إذا كان متوفرًا على هذين العلمين وقد أدرك الصحابة وعاصر كثيرًا منهم ويظهر من حياته ومواعظه أنه درس هذا العصر دراسة عميقةـ وأدرك روحه وعرف كيف تطور المجتمع الإسلامي، ومن أين انحرف، وكان واسع الإطلاع، دقيق الملاحظة للحياة ومختلف الطبقات وعوائدها وأخلاقها وعِللها وأدوائها، كطبيب مارس العلاج مدة [1] ، وكان مع ذلك غاية في الفصاحة وحلاوة المنطق والتأثير في مستمعيه يقول أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أفصح من الحسن البصري، والحجاج بن يوسف والحسن أفصح منه [2] ، وكان آية في اتساع المعلومات ووفور العلم، قال الربيع بن أنس: اختلفت إلى الحسن عشر سنين، وما من يوم إلا أسمع منه ما لم أسمع قبله. وقال محمد بن سعد: كان الحسن جامعًا عالمًا رفيعًا فقيهًا، ثقة مأمونًا، عابدًا ناسكًا، كثير العلم، فصيحًا، جميلًا وسيمًا، وقدم مكة فأجلس على سرير، واجتمع الناس إليه، وقالوا: لم نرَ مثل هذا قط، وقد وصفه ثابت بن قُرة ـ كما نقل عنه أبو حيان التوحيدي. فقال: كان من ذراري النجوم علمًا وتقوى، وزهدًا وورعًا، وعفة ورقَّة، وفقهًا ومعرفة، يجمع مجلسه ضروبًا من الناس، هذا يأخذ عنه الحديث، وهذا يًلقفُ منه التأويل [3] ،
وهذا يسمع منه الحلال والحرام، وهذا يحكي به الفتيا، وهذا يتعلم الحكم والقضاء، وهذا يسمع الوعظ وهو في جميع ذلك كالبحر اللَّجاج تدفقًا، وكالسِّراج الوهاج تألقًا ولا تُنسَ مواقفه ومشاهده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عند الأمراء وأشباه الأمرء، بالكلام الفصل واللفظ الجزل [4] ، وكان فوق ذلك كله وهو سر تأثيره في القلوب، وسحره في النفوس، وخضوع الناس له ـ أنه كان صاحب عاطفة قوية، وروح ملتهبة وكان من كبار المخلصين، وكان الذي يقول يخرج من القلب فيدخل في القلب وكان إذا ذكر الصحابة أو وصف الآخرة، أدمع العيون وحرك القلوب [5] ، قال عنه مطر
(1) رجال الفكرة والدعوة (1/ 67) .
(2) نظرات في التصوف الإسلامي د. محمد القهوجي صـ221.
(3) التأويل: التفسير ..
(4) رجال الفكر والدعوة (1/ 68) .
(5) المصدر نفسه (1/ 68) .