ومنها:- الماء الذي خالطته نجاسة هو أقل من قلتين ولم تغيره ، ما حكمه ؟ أقول: فيه خلاف بين العلماء والراجح من هذا الخلاف أن هذا الماء طهور مطهر رافع للحدث مزيل للخبث ، ذلك لأن الأصل في باب المياه الطهورية فنبقى على هذا الأصل حتى يرد الناقل ولا أعلم ناقلًا صحيحًا صريحًا في هذه المسألة وإنما قصارتي ما استدلوا به هو حديث أبن عمر في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال"إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث"فدل بمفهومه على أنه إذا كان أقل من قلتين فإنه يحمل الخبث"ولكن هذا الاستدلال لا يصلح أن يخرج هذا الماء عن الأصل المتقرر في باب المياه ، وبيان ذلك من وجوه أحدها أنه استدلال بالمفهوم وحديث أبي سعيد المتقدم متطوق وقد تقرر في الأصول أن المنطوق مقدم على المفهوم ، الثاني أن المفهوم لا يقضي أن ما دون القلتين يحمل الخبث أو ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة ولو لم يتغير ، بل إنما يفيد هذا المفهوم غلبة الاحتمال أي أن احتمال حمله للنجاسة إذا كان دون القلتين أكبر مما كان فوق القلتين لكن لا ينجس إلا بالتغير ، الثالث سلمنا أن ما دون القلتين يحمل الخبث لكن ليس كل ماء حمل الخبث يكون نجسًا وعلى كل حال فالراجح إن شاء الله تعالى هو أن الماء سواء كان قليلًا أو كثيرًا لا ينجس إلا بالتغير ، فإذا تغيرت أحد أوصافه بالنجاسة خرج عن هذا الأصل المستقر وإذا لم يتغير فالأصل هو الطهورية حتى يرد الدليل الناقل وهذا القول هو الذي دلت عليه السنة وعليه الصحابة وجمهور السلف وهو قول أهل المدينة واختاره أبن المنذر ونص عليه الإمام أحمد واختاره الشيخ تقي الدين أبن العباس والله أعلم ."