الصفحة 108 من 323

أنه نذر بقربة مقصودة فيصحّ النذر, كما لو نذر بالصوم في غير هذه الأيام, قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إن الله - جل جلاله - يقول: إن الصوم لي وأنا أجزي به) (1) .

أنه سبب التقوى والشكر ومواساة الفقراء; لأن الصائم في زمان الصوم يتقي الحلال, فالحرام أولى, ويعرف قدر نعم الله - جل جلاله - عليه بما تجشم من مرارة الجوع والعطش; فيحمله ذلك على الشكر, وعلى الإحسان إلى الفقراء; لما عرف قدر مقاساة المبتلى بالجوع والفقر، وهذه المعاني موجودة في الصوم في هذه الأيام, وإنها معان مستحسنة عقلًا, والنهي لا يرد عمّا عرف حسنه عقلًا لما فيه من التناقض، فيحمل على غير مجاور له صيانة لحجج الله - جل جلاله - عن التناقض عملًا بالدلائل بقدر الإمكان (2) .

أنه نذر بصوم مشروع فيصح، والنهي لا ينافي المشروعية؛ لأن موجبه الانتهاء، والنهي عمّا لا يتصوّر لا يكون، فيقتضي تصوّره وحرمته، فيكون مشروعًا ضرورة، والنهي لغيره وهو ترك إجابة دعوة الله تعالى لا ينافي المشروعية (3) .

أما وجوب الشاة فيما إذا نذر بذبح ولده فإنه خلاف القياس، وإنما صار إليه أبو حنيفة - رضي الله عنه - استحسانًا؛ لأثر ابن عباس (4) - رضي الله عنه - وإلا فالقياس أن لا يجب فيه شيء؛ لأنه معصية لعينه.

(1) في صحيح مسلم 2: 807، وصحيح البخاري 6: 2723، وصحيح ابن خزيمة 3: 198، وغيرها.

(2) بدائع الصنائع 5: 83، وغيره.

(3) تبيين الحقائق 1: 345، وغيره.

(4) وهو أن رجلا سأل ابن عباس - رضي الله عنه - عن هذه المسألة فقال: أرى عليك مئة بدنة, ثم قال: ائت ذلك الشيخ فاسأله, وأشار إلى مسروق فسأله فقال: أرى عليك شاة فأخبر بذلك ابن عباس - رضي الله عنه -, فقال: وأنا أرى عليك ذلك. ينظر: المبسوط 8: 139، وتكملة فتح الملهم 2: 166.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت