فعند أبي حنيفة - رضي الله عنه - وأبي يوسف - رضي الله عنه - كل مكروه تحريمًا إلى الحرام أقرب على المختار (1) ؛ لتعارض الأدلة فيه، وتغليب جانب الحرمة، فيلزم تركه، وقولهما هو الصحيح (2) ؛ لما روي: (ما اجتمع الحلال والحرام إلا وقد غلبَ الحرامُ الحلال) (3) ، قالوا معناه: دليلُ الحلِّ ودليلُ الحرمة، فالحرام يجب تركه، والحلال يباح فعله (4) .
ونسبته إلى الحرام كنسبة الواجب إلى الفرض، فيثبت بما يثبت به الواجب (5) , ويأثم بارتكابه كما يأثم بترك الواجب, ومثله السنة المؤكدة.
(1) الفتاوى الهندية 5: 308، عن شرح أبي المكارم.
(2) كما في جواهر الفتاوى . ينظر: مجمع الأنهر 2: 523، وغيره.
(3) وهو موقوف على ابن مسعود - رضي الله عنه - في مصنف عبد الرزاق 7: 199، و السنن الكبير للبيهقي 7: 169، قال البيهقي: رواه جابر الجعفي عن الشعبي عن ابن مسعود وجابر ضعيف والشعبي عن ابن مسعود منقطع. وينظر: نصب الراية 4: 314.
(4) ينظر: الاختيار 5: 413، وحسن الدراية 4: 95، وغيره.
(5) وبيان ذلك أن الأدلة السمعية أربعة:
الأول: قطعي الثبوت والدلالة: كنصوص القرآن المفسرة أو المحكمة والسنة المتواترة التي مفهومها قطعي، يثبت به الافتراض والتحريم
الثاني: قطعي الثبوت ظني الدلالة كالآيات المؤولة، يثبت به الإيجاب وكراهة التحريم.
الثالث: عكسه كأخبار الآحاد التي مفهومها قطعي، يثبت به الإيجاب وكراهة التحريم.
الرابع: ظنيهما كأخبار الآحاد التي مفهومها ظني، يثبت به السنية والاستحباب. ينظر: رد المحتار 6: 337، وغيره.