تَعْلمُ يا أخي /لقد حرص هذا الجيل من الصحوة على أن يسير على منهج السلف لكي يكون من الفرقة الناجية يوم القيامة، وقادَ هذا الجيل عدد من القادة، وسار مع كل قائد طائفة من هذا الجيل، ثمّ كما هو من شأن البشر اختلفت الآراء في بعض المسائل، فوجد الشيطان بينها مسلكًا ليزرع الفرقة ويُحدث الفجوة والجفوة بين القلوب، فحصلت الانتقادات وانحازت كل طائفة مع قائدها تنصره وتؤيده، ورشقت كل طائفة أختها بنبال التهمة والتجريح.
وكان الواجب أن نردّ النِّزاع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ونحتكم إليهما وننصاع وننقاد للحق الذي فيهما.
وهذا لا يعني أنّ الآراء والاجتهادات لابدّ أن تتفق وتجتمع، كلا فإن الفهم والاجتهاد لابدّ أن يختلف، ولكن الواجب علينا أن نتحقق من سلامة الأصول بدءًا بالعقيدة الصحيحة والأصول العامة للإسلام والأسس والركائز التي يقوم عليها الدين، والثوابت التي لا يجوز الحياد عنها ولا تهميشها.
ثمّ إن اختلفت الآراء والاجتهادات في بعض المسائل التي فيها سعة، وقابلة للاجتهاد والنظر، وجب علينا أن لا نُضخم من حجمها ونعطيها فوق ما تستحقُّه، بحيث تكون سببًا للفرقة والتنازع والاختلاف والتهاجر.
ولا نقول كما يقول بعض الناس: نجتمع فيما اتفقنا فيه ويعذر بعضنا بعضاّ فيما اختلفنا فيه على وجه الإطلاق.
كذلك لا نقول كما يقول بعض الناس: لا يمكن أن نجتمع حتى نكون كلنا على عقيدة واحدة ومنهج واحد على الإطلاق.
بل إنّ كِلا القولين فيه صواب وخطأ.
فنقول: لا يمكن أن نجتمع مع الرافضة والقبوريين وغيرهم ممن ابتدع بدعة مكفّرة مخرجة من الملّة.
ونجتمع مع أهل السنة والجماعة وإن اختلفت مذاهبهم وبعض اجتهاداتهم في الأمور التي فيها مجال للاجتهاد.
أما من كان من أهل البدع غير المكفّرة وكان اسم الإسلام ووصفه باقيًا فيهم، فإن هؤلاء تختلف معاملتهم بحسب الوضع والحالة التي تمر بها الأمة.
فإن كانت الحال حال قتال وجهاد للكفار فإننا نجتمع معهم لبقاء ولاية الإسلام وندفع عنهم عادية الكفار، ونترك الخوض فيما اختلفنا فيه، لأنّ الوضع يستلزم ذلك، فنحن نواجه الكفر وهو أشدّ من البدعة، فلابدّ من الاجتماع لدفعه، ومادام الاختلاف الذي بيننا لا يخرجنا من دائرة الإسلام، فإنه حينئذٍ يجب درأ المفسدة الكبرى باحتمال المفسدة الصغرى.
يقول ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (607/ 4) :"أما إذا هجم العدو فلا يبقى للخلاف وجه فإن دفع ضررهم عن الدين والنفس والحرمة واجب إجماعا فلا حاجة لإذن أمير المؤمنين".