وهذا هو الأمر الذي سار عليه خيار هذه الأمة من السلف الصالح، فإنهم كانوا يخرجون للجهاد مع وجود المبتدعة والفسقة، وكانوا يجاهدون مع الأئمة أبرارًا كانوا أو فجارًا.
يقول الإمام الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار (8/ 44) :"وتجوز الاستعانة بالفساق على الكفار إجماعا".
وقال ابن قدامة في المغني: (ويغزى مع كل بر وفاجر) يعني مع كل إمام. قال أبو عبد الله [أحمد بن حنبل] وسئل، عن الرجل يقول: أنا لا أغزو ويأخذه ولد العباس، إنما يوفر الفيء عليهم، فقال: سبحان الله، هؤلاء قوم سوء، هؤلاء القَعَدَة، مثبطون جهال، فيقال: أرأيتم لو أن الناس كلهم قعدوا كما قعدتم، من كان يغزو؟ أليس كان قد ذهب الإسلام؟ ما كانت تصنع الروم؟ قال ابن قدامة: ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يفضي إلى قطع الجهاد، وظهور الكفار على المسلمين واستئصالهم، وظهور كلمة الكفر، وفيه فساد عظيم .. (انتهى) .
ولقد كان الأئمة يجاهدون مع المأمون والمعتصم -وهما من فتنا الناس في فتنة القول بخلق القرآن- ومع غيرهما من الولاة الذين كانت عندهم بدع أو ظلم وفسق، ولم يدعوا القتال معهم بسبب البدعة أو الفسق، وهذا في جهاد الطلب الذي هو فرض كفاية فما بالك بجهاد الدفع الذي هو فرض عين وجهاد ضرورة؟!
ولكن إذا استتبَّ الأمر للمسلمين فحينئذٍ نتناقش فيما اختلفنا فيه بالحكمة والموعظة الحسنة، مع مراعاة أخوة الإسلام.
ومن خالف الحق مع بقاء إسلامه فإنه يوالى بقدر ما عنده من الحق ويُبغض بقدر ما عنده من الباطل، مع بقاء الولاية العظمى وهي ولاية الإسلام، فلا نخذلهم ولا نحتقرهم ولا نظلمهم ولا نُسلمهم لأعداء الإسلام.
قال صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ولا يُسلمه، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) رواه مسلم.
والمقصود أن التعصّب للأشخاص أو للأفكار أو للمذاهب أمرٌ مذموم قد حذّر منه السلف الصالح.
والواجب على الجيل أن يتجرد للحق ولا يقلد دينه الرجال ويأخذ بالحق وإن جاءه ممن يبغضه، ويترك الباطل وإن قال به من يحبه، وينظر إلى القول الموافق لما كان عليه السلف فيتبعه وإن خالفه جميع من في الأرض، وقد قال بعض السلف: اقتدوا بمن قد مات فإن الحيّ لا تؤمن عليه الفتنة.
وقال علي رضي الله عنه للحارث الأعور: إنّ الحق لا يعرف بالرجال، اِعرف الحق تعرف أهله.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن وإن كفر كفر فإنه لا أسوة في الشر.
وقال الشافعي رحمه الله: أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس.
قال ابن هبيرة رحمه الله:"إن من مكائد الشيطان أن يقيم أوثانا في المعنى تُعبد من دون الله، مثل أن يتبين له الحق فيقول: ليس هذا مذهبنا، تقليدا لمعظم عنده قد قدمه على الحق" (العقد الياقوتيه 104) .