فهرس الكتاب
سيئة مثلها فمن عفا و أصلح فأجره على الله [الشورى: 40] و قال تعالى: {إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا} [النساء: 149] وقال تعالى: {و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به و لئن صبرتم لهو خير للصابرين} [النحل: 126] .
والأحاديث في هذا الباب كثيرة مشهورة ثم إن الأنبياء أحق الناس بهذه الدرجة لفضلهم و أحوج الناس إليها لما ابتلوا به من دعوة الناس و معالجتهم و تغيير ما كانوا عليه من العادات و هو أمر لم يأت به أحد إلا عودي فالكلام الذي يؤذيهم يكفر به الرجل فيصير به محاربا إن كان ذا عهد و مرتدا أو منافقا إن كان ممن يظهر الإسلام، ووسع عليهم ذلك لما فيه من حق الآدمي تغليبا لحق الآدمي على حق الله كما جعل لمستحق القود وحد القذف أن يعفو عن القاتل و القاذف و هم أولى لما في جواز عفو الأنبياء و نحوهم من المصالح العظيمة المتعلقة بالنبي و بالأمة و بالدين و هذا معنى قول عائشة رضي الله عنها: [ما ضرب رسول الله صلى الله عليه و سلم بيده خادما و لا امرأة و لا دابة و لا شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله و لا انتقم لنفسه قط] .
وفي لفظ: [ما نيل منه شيء فانتقمه من صاحبه إلا أن تنتهك محارم الله فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم.
ومعلوم أن النيل منه أعظم من انتهاك المحارم لكن لما دخل فيها حقه كان الأمر إليه في العفو أو الانتقام فكان يختار العفو و ربما أمر بالقتل إذا رأى المصلحة في ذلك بخلاف ما لا حق له فيه من زنا أو سرقة أو ظلم لغيره فإنه يجب عليه القيام به
وقد كان أصحابه إذا رأوا من يؤذيه أرادوا قتله لعلمهم بأنه يستحق القتل فيعفو هو عنه صلى الله عليه و سلم و بين لهم أن عفوه أصلح مع إقراره لهم على جواز قتله و لو قتله قاتل قبل عفو النبي صلى الله عليه و سلم لم يعرض له النبي صلى الله عليه و سلم لعلمه بأنه قد انتصر لله و رسوله بل يحمده على ذلك و يثني عليه كما قتل عمر رضي الله عنه الرجل الذي لم يرض بحكمه و كما قتل رجل بنت مروان و آخر اليهودية السابة فإذا تعذر عفوه بموته صلى الله عليه و سلم بقي حقا محضا لله و لرسوله و للمؤمنين لم يعف عنه مستحقه فيجب إقامته، ويبين ذلك ما روى إبراهيم بن الحكم بن أبان: حدثني أبي عن عكرمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم يستعينه في شيء فأعطاه شيئا ثم قال: أحسنت إليك؟ قال الأعرابي: لا و لا أجملت قال: فغضب المسلمون و قاموا إليه فأشار إليهم أن كفوا ثم قام فدخل منزله ثم أرسل إلى الأعرابي فدعاه إلى البيت يعني فأعطاه فرضي فقال: إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك فقلت ما قلت و في أنفس المسلمين شيء من ذلك فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي يذهب من صدورهم ما فيها عليك قال: نعم فلما كان الغد أو العشي جاء قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: إن صاحبكم جاء فسألنا فأعطيناه فقال ما قال و إنا دعوناه إلى البيت فأعطيناه فزعم أنه قد رضي أكذلك؟ قال الأعرابي: نعم فجزاك الله من أهل و عشيرة خيرا فقال النبي