فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 575

وجهه صلى الله عليه و سلم حتى كان كالصوف ثم قال: [فمن يعدل إذا لم يعدل الله و رسوله؟ ثم قال: يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر] قال: فقلت لا جرم لا أرفع بعدها حديثا.

و في رواية البخاري قال رجل من الأنصار: ما أراد بها وجه الله و ذكر الواقدي أن المتكلم بهذا كان [معتب بن قشير] و هو معدود من المنافقين، فهذا الكلام مما يوجب القتل بالاتفاق لأنه جعل النبي صلى الله عليه و سلم ظالما مرائيا و قد صرح النبي صلى الله عليه و سلم بأن هذا من أذى المرسلين ثم اقتدى في العفو عن ذلك بموسى عليه السلام و لم يستتب لأن القول لم يثبت فإنه لم يراجع القائل و لا تكلم في ذلك بشيء.

ومن ذلك قول الأنصاري الذي حاكم الزبير في شراج الحرة لما قال له صلى الله عليه و سلم: [اسق يا زبير ثم سرح إلى جارك] فقال: أن كان ابن عمتك؟

ولهذا نظائر في الحديث إذا تتبعت مثل الحديث المعروف عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن أخاه أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال: جيراني على ماذا أخذوا فأعرض عنه النبي صلى الله عليه و سلم فقال: إن الناس يزعمون أنك تنهى عن الغي و تستخلي به فقال: [لئن كنت أفعل ذلك إنه لعلي و ما هو عليهم خلوا له جيرانه] رواه أبو داود بإسناد صحيح، فهذا و إن كان قد حكى هذا القذف عن غيره فإنما قصد به انتقاصه و إيذاءه بذلك و لم يحكه على وجه الرد على من قاله و هذا من أنواع السب.

ومثل حديث ابن إسحاق عن هشام عن أبيه عن عائشة قال: ابتاع رسول الله صلى الله عليه و سلم جزورا من أعرابي بوسق من تمر الذخيرة فجاء به إلى منزلة فالتمس التمر فلم يجده في البيت قال: فخرج إلى الأعرابي فقال: [يا عبد الله إنا ابتعنا منك جزورك هذا بوسق من تمر الذخيرة و نحن نرى أنه عندنا فلم نجده] فقال الأعرابي: و اعذراه و اعذراه فوكزه الناس و قالوا: لرسول الله صلى الله عليه و سلم تقول هذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [دعوه] رواه ابن أبي عاصم و ابن حبان في الدلائل.

فهذا الباب كله مما يوجب القتل و يكون به الرجل كافرا حلال الدم كان النبي صلى الله عليه و سلم و غيره من الأنبياء يعفون ويصفحون عمن قاله امتثالا لقوله تعالى: {خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199] و كقوله تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن} [المؤمنين: 96] و قوله تعالى: {و لا تستوي الحسنة و لا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك و بينه عداوة كأنه ولي حميم و ما يلقاها إلا الذين صبروا و ما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} [فصلت: 35] و كقوله تعالى: {و لو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك فاعف عنهم و استغفر لهم و شاورهم في الأمر} [آل عمران: 159] و كقوله تعالى: {و لا تطع الكافرين و المنافقين و دع أذاهم} [الأحزاب: 48] ، وذلك لأن درجة الحلم و الصبر على الأذى والعفو عن الظلم أفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة يبلغ الرجل بها ما لا يبلغه بالصيام و القيام قال تعالى: {و الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس و الله يحب المحسنين} [آل عمران: 134] و قال تعالى: و جزاء سيئة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت