فهرس الكتاب
راضين بحكم الله، مقدمين حكم غيره على حكمه، ومن يفعل ذلك فإنه كاذب في دعواه الإيمان، لأن الذي يتحاكم إلى الطاغوت وقد أمر أن يكفر به لم يكفر بالطاغوت بل آمن به، ومن يترك حكم الله وقد أمر أن يتحاكم إليه، ثمّ هو يتحاكم إلى حكم غيره فإنه ليس مؤمنًا بالله بل كافر به، قال تعالى: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى) فمن لم يكفر بالطاغوت فقد انتقص ركنًا من أركان التوحيد وهو الكفر بالطاغوت، وقال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) فمن لم يجتنب الطاغوت لم يحقق عبادة الله، لأن عبادة الله مستلزمة للكفر بالطاغوت، ومن أعظم الطواغيت الحاكم بغير ما أنزل الله، والمغير لأحكام الله.
قال ابن تيمية رحمه الله: ولذلك سُمّي من تُحوكم إليه من حاكم بغير كتاب الله طاغوتًا. [مجموع الفتاوى 28/ 201] .
وقال ابن القيم رحمه الله: ومن حاكم خصمه إلى غير الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فقد حاكم إلى الطاغوت، وقد أُمِر أن يكفر به، ولا يكفر العبد بالطاغوت حتى يجعل الحكم لله وحده. [طريق الهجرتين ص73] .
وأما قول المؤلف: [أن من صفات أهل الإيمان المزعوم - المنافقين - كونهم يريدون التحاكم للطاغوت ومشابهة المنافقين في صفةٍ من صفاتهم لا توجب الكفر، فعلى هذا من حكم بغير ما أنزل الله فقد شابه المنافقين في صفةٍ من صفاتهم وهذا لا يوجب الكفر إلا بدليل آخر كمن شابه المنافقين في الكذب لم يكن كافرًا فمن ثمَّ إذا توارد الاحتمال في أمرٍ بين كونه مكفِّرًا أو غير مكفِّر لم يكفر بهذا الأمر لكون الأصل هو الإسلام فالنتيجة أنه لا يصح تمسكك بالآية في التكفير لكونها من المحتمل] .
فهذا قول عجيب غير أن لا عجيب من المؤلف ونحن نقول له: إنّ الآية لم تَرِد لذكر صفة من صفات المنافقين فحسب بل وردت للاستنكار والتكذيب لدعوى الإيمان الذي يزعمه من ترك حكم الله ورضي بالتحاكم إلى الطاغوت، وحتى لو قلنا جدلًا إن الآية وردت لذكر صفة من صفات المنافقين، فإن صفات المنافقين منها ما هو كفر أكبر ومنها ما هو دون ذلك، فمِن صفات المنافقين إظهار الإيمان وإبطان الكفر وهذا نفاق أكبر مخرج من الملة، وكذلك من صفات المنافقين بغض النبي صلى الله عليه وسلم وهذا نفاق أكبر، ومن صفاتهم بغض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا نفاق أكبر، فلماذا عندما ذكر المؤلف أنها من صفات المنافقين صنّفها ضمن صفة الكذب وخلف الوعد ولم يصنّفها ضمن النفاق الأكبر وهي به ألصق وإليها أقرب؛ فإن الإعراض عن حكم الله ورسوله والتحاكم إلى الطواغيت دليلٌ على عدم الرضى بحكم الله ورسوله، والرضى بحكم الطاغوت، فهل هذا من جنس الكذب وخلف الوعد، أم أنه من جنس بُغض ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، والإعراض عن حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟
والآية التي تليها تردّ على المؤلف وتنقض قوله، فقد قال تعالى بعد ذلك: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} .
فالله سبحانه بين صفة أولئك وهو النفاق، والله سبحانه إذا ذكر المنافقين في كتابه فإن المقصود بهم المنافقون النفاق الأكبر، وصدودهم عما أنزل الله وعن الرسول صلى الله عليه وسلم نفاق أكبر، فكيف يجعل المؤلف الإعراض عن كتاب الله