ولا يستوحش الإنسان لقلة الموافقين، وكثرة المخالفين، فإن أهل الحق أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، لا سيما في هذه الأزمنة المتأخرة، التي صار الإسلام فيها غريبا.
والحق لا يُعرف بالرجال، كما قال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه لمن قال له: أترى أنا نرى الزبير وطلحة مخطئين، وأنت المصيب؟ فقال له علي:"ويحك يا فلان! إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله"وأيضا قال:"الحق ضالة المؤمن".
وليحذر العاقل من شبهة الذين قال الله عنهم: {لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} [سورة الأحقاف آية: 11] ، {أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} [سورة الأنعام آية: 53] . وقد قال بعض السلف:"ما ترك أحد حقا إلا لكبر في نفسه"ومصداق ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم حين قال:"لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر"، ثم فسر الكبر: بأنه"بطر الحق"أي: رده،"وغمط الناس"أي: احتقارهم وازدراؤهم ; ولقد أحسن القائل:
وتَعرّ مِن ثوبين مَن يلبسهما ... يلق الردى بمذمة وهوان
ثوب من الجهل المركب فوقه ... ثوب التعصب بئست الثوبان
وتحل بالإنصاف أفخر حلة ... زينت بها الأعطاف والكتفان
واجعل شعارك خشية الرحمن مع ... نصح الرسول فحب ذا الأمران
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وما أحسن ما قال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن المعروف بأبي شامة، في كتاب"الباعث على إنكار البدع والحوادث"حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة، فالمراد به: لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك به قليلا، والمخالف له كثيرا، ألا إن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى، من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا تنظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم.
قال عمرو بن ميمون الأودي:"صحبت معاذًا، فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام. ثم صحبت من بعده أفقه الناس: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فسمعته يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة."
ثم سمعته يوما من الأيام، وهو يقول: سيكون عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لميقاتها فهي الفريضة، وصلوا معهم، فإنها لكم نافلة، قال: قلت يا أصحاب محمد، ما أدري ما تُحدّثون؟!
قال: وماذا؟
قلتُ: تأمرني بالجماعة، وتحضني عليها، ثم تقول: صل الصلاة وحدك وهي الفريضة، وصل مع الجماعة وهي لك نافلة!
فقال يا عمرو بن ميمون: قد كنت أظن أنك من أفقه أهل هذه القرية، أتدري ما الجماعة؟ قلت: لا.
قال: إن جمهور الجماعة الذين فارقوا الجماعة. الجماعة ما وافق الحق، وإن كنت وحدك. وفي طريق آخر: فضرب على فخذي، وقال: ويحك! إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله عز وجل"."