حرام لكن قلت لكم: إلا إذا عاونهم وناصرهم على من هو أشد إيذاء للمسلمين منهم فهذا لا بأس به ا. هـ [1] ، فلم يحكم - رحمه الله - على النصرة بأنها كفر.
أيها القراء / أليس هذا الإجماع مخرومًا بأن هؤلاء الأئمة الكبار لم يكفروا الجاسوس الذي يفشي سر المسلمين إلى الكافرين الذي قد يكون مؤداه قتل عشرات بل مئات من المسلمين.
فبهذا يظهر لك جليًا أن الإجماع المزعوم مخروم لا يصح التعويل عليه عند أهل الإنصاف العالمين بخرمه.
ومحاولة بعضهم جعل مسألة الجاسوس مسألة خاصة لا يخرم بها الإجماع محاولة فاشلة لوجوه:
أن الذين حكوا الإجماع أكدوا كل صورة حتى الصور القولية ولم يستثن أحد منهم ولو مرة صورة الجاسوس، ولو كانت هذه مستثناة - عندهم - لأبانوها وما تركوها، ويؤكد هذا الوجه الذي يليه.
أن مما يتمايز به دليل الإجماع أنه قطعي الدلالة فليس هو من الأدلة المجملة حتى يحتاج إلى بيان.
أن الذين نقلوا الإجماع علماء متأخرون، ولو كان في المسألة إجماعٌ لما أغفله الأولون من المفسرين والفقهاء مع كثرتهم ودقتهم.
أن في كلام العلماء الأوائل والمتأخرين من علق التكفير بالاعتقاد - كما سبق - لا على العمل، فهؤلاء إذا ذكروا مسألة الجاسوس ذكروها تمثيلًا - قطعًا - لا تخصيصًا لأنهم لا يكفرون بمجرد العمل. [2]
يردد بعضهم شبهة وهي أن حاطبًا كان متأولًا ولولاه لكفر، وتفنيد هذه الشبهة من أوجه:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سأل حاطبًا عن عذره، لم يعتذر حاطب بأنه تأول دليلًا شرعيًا بل ذكر أنه فعل ما فعل لحظ دنيوي.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفهم أن حاطبًا كان متأولًا لذلك لم يكشف شبهة كان حاطب متمسكًا بها، ودواء الشبه كشفها.
ج- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر بأنه عاص، لكنه مغفور له لكونه من أهل بدر لا لأجل التأويل.
بيان ذلك أن المتأولين غير آثمين، وعليه فهم غير محتاجين إلى حسنات - كحضور بدر - تغفر بها سيئاتهم، وقد حكى ابن حزم الإجماع على ذلك (الفصل(3/ 270) ، وانظر كلام ابن تيميه في الاستقامة (2/ 143) مجموع الفتاوى (1/ 113) (3/ 284) (12/ 180) والرد على البكري ص (259، 329) والأصفهانية (144 - 145) .
(1) المائدة (شريط رقم(51) الوجه الثاني).
(2) قد استفدت من رسالة (الوقفات على شيء مما في كتاب التبيان من المغالطات) الرد الأول والثاني لمؤلفه أبي عبد الله اليمني - جزاه الله خيرًا-.