وأن الله أذن لنبيه في صلح الحديبية أن يعاهد المشركين ذلك العهد الذي إذا تلاه الإنسان ظن أن فيه خذلانًا للمسلمين. كثير منكم يعرف كيف كان صلح الحديبية حتى قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟. قال: بلى. قال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟، فظن أن هذا خذلان، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم ما في شك أنه أفقه من عمر، وأن الله تعالى أذن له في ذلك وقال: إني رسول الله ولست عاصيه وهو ناصري ... وإن كان ظاهر الصلح خذلانًا للمسلمين، وهذا يدلنا يا إخواني على مسألة مهمة وهو قوة ثقة المؤمن بربه .. المهم أنه يجب على المسلمين الجهاد حتى تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله، لكن الآن ليس بأيدي المسلمين ما يستطيعون به جهاد الكفار حتى ولو جهاد مدافعة وجهاد المهاجمة ما في شك الآن غير ممكن حتى يأتي الله بأمة واعية تستعد إيمانيًا ونفسيًا، ثم عسكريًا، أما نحن على هذا الوضع فلا يمكن أن نجاهد ا. هـ [1] .
ومما يزيد أن القوة شرط لإقامة جهاد الطلب ابتداء أن الله اشترط في العدد للوجوب أن يكون الرجل المسلم مقابل اثنين، كما قال تعالى {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} فلو كان الكفار ثلاثة أضعاف المسلمين لما وجب عليهم القتال، ولصح لهم الفرار، كما فعل الصحابة في مؤتة. فهذا يؤكد أن القوة شرط، ومن هذا - أيضًا - ما أخرج مسلم عن النواس بن سمعان في قصة قتل عيسى عليه السلام للدجال قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: فبينما هو كذلك، إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان (أي لا قدرة) لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور (أي ضمهم إلى جبل الطور) ويبعث الله يأجوج ومأجوج ...""
قال النووي: قال العلماء معناه لا قدرة ولا طاقة - ثم قال - لعجزه عن دفعه، ومعنى حرزهم إلى الطور أي ضمهم واجعل لهم حرزًا ا. هـ [2]
ففي هذا الحديث أنه لما كانت قوة عيسى عليه السلام ضعيفة بالنسبة ليأجوج ومأجوج أمره الله ألا يقاتلهم ويجاهدهم، فدل هذا على أن القدرة شرط.
التمهيد الثالث: بالإضافة إلى قوة العدة والعتاد، فلابد من قوة الإيمان والإسلام عند المسلمين، وإلا فإذا كانت ذنوب المسلمين ظاهرة شاهرة متكاثرة، وكان قيامهم بالدين ضعيفًا لا سيما في أمر التوحيد والسنة بأن يكون الشرك والبدع وعموم المعاصي شائعًا عند المسلمين مألوفًا، ويكون أهلها غالبين، فإذا كان حال المسلمين كذلك، فإنهم عن نصر الله محجوبون إلا أن يشاء الله بفضله ورحمته. قال تعالى {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ}
(1) لقاء الخميس الثالث والثلاثين في شهر صفر / 1414هـ.
(2) شرح مسلم (18/ 68) .