فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 575

قال ابن جرير: {قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا} يعني قلتم لما أصابتكم مصيبتكم بأحد {) أَنَّى هَذَا)} من أي وجه هذا ومن أين أصابنا هذا الذي أصابنا ونحن مسلمون وهم مشركون وفينا نبي الله - صلى الله عليه وسلم - يأتيه الوحي من السماء وعدونا أهل كفر بالله وشرك قل يا محمد للمؤمنين بك من أصحابك {هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} يقول: قل لهم: أصابكم هذا الذي أصابكم من عند أنفسكم بخلافكم أمري وترككم طاعتي لا من عند غيركم ولا من قبل أحد سواكم ا. هـ [1]

ونقله عن جماعة من السلف كعكرمة والحسن وابن جريج والسدي. وقال أبو الدرداء: إنما تقاتلون بأعمالكم [2] .

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: قلتم أنى هذا أي من أين أصابنا ما أصابنا وهزمنا؟ قل هو من عند أنفسكم حين تنازعتم وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، فعودوا على أنفسكم باللوم واحذروا من الأسباب المردية. اهـ [3]

وقال ابن تيمية: وحيث ظهر الكفار، فإنما ذاك لذنوب المسلمين التي أوجبت نقص إيمانهم، ثم إذا تابوا بتكميل إيمانهم نصرهم الله، كما قال - تعالى - {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} وقال {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} ا. هـ [4]

وقال: وأما الغلبة فإن الله تعالى قد يديل الكافرين على المؤمنين تارة، كما يديل المؤمنين على الكافرين، كما كان يكون لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - مع عدوهم، لكن العاقبة للمتقين فإن الله يقول {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} وإذا كان في المسلمين ضعفٌ، وكان عدوهم مستظهرًا عليهم كان ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم؛ إما لتفريطهم في أداء الواجبات باطنًا وظاهرًا، وإما لعدوانهم بتعدي الحدود باطنًا وظاهرًا، قال الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} وقال تعالى ... {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} وقال تعالى {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} ا. هـ [5]

وقال ابن القيم: فلو رجع العبد إلى السبب والموجب لكان اشتغاله بدفعه أجدى عليه، وأنفع له من خصومة من جرى على يديه، فإنه - وإن كان ظالمًا - فهو الذي سلطه على نفسه بظلمه. قال الله تعالى {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} فأخبر أن أذى عدوهم لهم، وغلبتهم لهم: إنما هو بسبب ظلمهم. وقال الله تعالى {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} ا. هـ [6]

(1) جامع البيان في تفسير القرآن (4/ 108) .

(2) علقه البخاري (كتاب الجهاد، باب عمل صالح قبل القتال) .

(3) التفسير ص 156.

(4) الجواب الصحيح (6/ 450) .

(5) مجموع الفتاوى (11/ 645) وانظر (8/ 239) (14/ 424) .

(6) مدارج السالكين (2/ 240) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت