والحماسة والاندفاع والعويل والتهويل ليست مبررًا شرعيًا للتكفير بما ليس مكفرًا؛ لذا لما استعظم الفاروق أبو حفص عمر بن الخطاب - رضي الله عنه وأرضاه - فعل حاطب وكفره به لم يوافقه على ذلك النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم - كما تقدم في حديث حاطب -، وإنه لو فتح الباب للحماسة والعاطفة لكفرت خلقًا كثيرًا ممن لم يكفرهم الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، ولعله لو ذكر لمتحمس عاطفي أن رجلًا ينفق على المباحات والحرام من الخمور والزنا الملايين، ولو طلبت منه صدقة ريال واحد لما تصدق به، لعل مثل هذا لو ذكر له لكفره بحجة أن هذا الرجل معاند مستكبر وهكذا ...
والقول بأن حماية المحرم كفر مفتقر إلى دليل، وهذه دونكم مصنفات أهل العلم فأين الدليل على أن مثل هذا كفر؟! بل دلت الأدلة على أن المحرمات ليست كفرًا إلا إذا كانت على وجه كفري كالإباء والاستكبار والإعراض والجحود، وهذه ألفاظ شرعية بينتها الشريعة ووضحها أهل العلم، ولم يجعلوا للحماسات فيها مدخلًا، فالمكفر لأجل الاستكبار أو الإعراض آثم إلا إذا كان عارفًا بمدلول هذه الألفاظ شرعًا على طريقة أهل العلم الراسخين، وإلا صار متكلمًا في العلم بجهل، والمتكلم في العلم بجهل لا يضر إلا نفسه.
وما أكثر الخائضين في هذه المسائل بجهل، ومن أمثلة ذلك عبثهم بمدلول لفظ (الالتزام) كما تقدم بيانه. ولو سألت أحدهم عن رجل شراب للخمر كثير الزنا قد جعل حرسًا يدافعون عنه إذا جاءه رجال الحسبة، فهل مثل هذا يكفر لأجل أنه حمى الحرام؟! فما هم قائلون؟ ألم يقرؤوا في كتب الاعتقاد السلفية لأئمة السلف الماضين أن أهل السنة لا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، ردًا منهم على الخوارج والمتأثرين بهم؟
فليتق الله هؤلاء من صنيعهم واعتقادهم، وليعلموا أن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة، ولعلي أشير إشارة خفية يفهمها أولو الألباب دون غيرهم في موضوع الربا، وهي علة أصناف الربا الستة في حديث عبادة وغيره.
سئل سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله: هل وجود بعض المعاصي من الكبائر في هذه البلاد كالبنوك الربوية يجوز الخروج على ولاة الأمر وعدم طاعتهم؟
فأجاب: وجود المعاصي لا يجوز الخروج، وجود المعاصي من الوالي ومن الرعية لا يجوز الخروج على ولاة الأمور، ولكن يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى ولاة الأمور أن يجتهدوا في إزالة المنكر، وأن يتقوا الله وأن يجتهدوا في إزالة المنكر بالطرق الشرعية، وعلى العلماء المناصحة وعلى أفراد الرعية تقوى الله والاستقامة والحذر من المنكر والتواصي بترك المنكر، والتواصي بالأمر بالمعروف كما قال عز وجل {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} ، أما شق العصا أو الخروج على ولاة الأمور بسبب المعصية الربا وغيره، فهذا من دين الخوارج من أعمال الخوارج .. ا. هـ [1]
(1) شريط أهداف الحملات الإعلامية ضد حكام وعلماء بلاد الحرمين.