الوجه الأول: أنَّهم فرّقوا بين الأمريكان وحكومتهم في الحكم، وسمّوهم معاهدين مع أنَّ العهد لدولهم، ووجّهوا بأنَّهم قد لا يؤيّدون تصرّفات دولتهم، وهذا خلطٌ حيثُ جعلوهم تابعين لها حين أرادوا إلحاقهم بعهدها، وأخرجوهم عن التبعيَّة لها حين أرادوا التفريق بينهم وبين دولهم في انتقاض العهد نفسه.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في ذكر فوائد هذه الغزوة: "وفيها انتقاض عهد جميعهم بذلك، ردئهم ومباشريهم إذا رضوا بذلك، وأقرّوا عليه ولم ينكروه، فإن الذين أعانوا بني بكر من قريش بعضهم، لم يقاتلوا كلهم معهم، ومع هذا فغزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم، وهذا كما أنهم دخلوا في عقد الصلح تبعًا، ولم ينفرد كلُّ واحدٍ منهم بصلح، إذ قد رضوا به وأقروا عليه، فكذلك حكم نقضهم للعهد، هذا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا شك فيه كما ترى، وطردُ هذا جريانُ هذا الحكمِ على ناقضي العهد من أهل الذمة إذا رضي جماعتهم به، وإن لم يباشر كل واحد منهم ما ينقض عهده، كما أجلى عمر يهود خيبر لما عدا بعضهم على ابنه، ورموه من ظهر دار ففدعوا يده، بل قد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع مقاتلة بني قريظة، ولم يسأل عن كل رجل منهم هل نقض العهد أم لا؟ وكذلك أجلى بني النضير كلهم، وإنما كان الذي همَّ بالقتل رجلان، وكذلك فعل ببني قينقاع حتى استوهبهم منه عبد الله بن أبي، فهذه سيرته وهديه الذي لا شك فيه، وقد أجمع المسلمون على أن حكم الردء حكم المباشر في الجهاد".اهـ من زاد المعاد 3/ 420 - 421.
الوجه الثَّاني: أنَّهم ظنُّوا وأوهموا أو توهَّموا أنَّ دماء الكفَّار هنا معصومةٌ في الأصل، فأرادوا بنفي تبعيّتهم لدولهم أن يبقوها على العصمة، مع أنَّ دماء الكفَّار مهدورةٌ حتى يعصمها عاصمٌ من عهد أو ذمّة أو أمانٍ، إلا المرأة والصبيَّ والشيخَ الفانيَ ونحوهم.
الوجه الثالث: أنّهم علّقوا تحريم قتل هؤلاء بأنَّهم قد يكونون معارضين لسياسة دولهم، ومعنى هذا اشتراط معرفة كونهم موافقين سياسة دولهم في مقاتلة كل قومٍ من الكُفَّار كاليهود في إسرائيل وغيرهم لأنَّ الاحتمال قائمٌ فيهم، بل فيهم يقينًا من هم معارضون لسياسة دولهم، وهذا الشَّرطُ مما يُعلم من السُّنَّة والسيرة اضطرارًا أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ومن بعده من الصحابة والتابعينَ وأهل الإسلام على اختلاف الطوائف لم يكونوا يستبينونه، ولا يستفصلون عنه، مع أنَّ الشَّرط لا يجوز بدء القتال قبل التحقق من وجوده.
وكلَّ من قلنا فيما تقدَّم: ليس له عهدٌ، فإن دمهُ لا يحلُّ بذلك مجرّدًا، بل يبقى له شبهةُ عهدٍ، وكذا من أعطي أمانًا باطلًا، وعلى من يريد مقاتلتهم إنذارهم، وشبهة العهد تزول بالإنذار وحدهُ، ولا يشترط أن يكون من إمامٍ، بل من يجوز له أن يجاهدهم، يجب عليه قبل جهادهم أن يُنذرهم.
وكلُّ من قلنا يجبُ أن يُنذرُوا: فمحلُّ ذلك من توهَّم له عهدًا والتزمَهُ، وأردنا قتاله لعدم صحَّة العهد، أمَّا من له عهدٌ صحيحٌ، أو شُبهةُ عهدٍ، ثمَّ كان النكثُ منهُ؛ فقد قاتل النّبيُّ صلى الله عليه وسلَّم في هذه الصُّورة بلا إنذارٍ بل كان حريصًا في فتح مكّة أن لا يعلموا بقدومه.