فهرس الكتاب

الصفحة 311 من 575

وذكر ابن القيم في فوائد فتح مكة: "وفي هذه القصَّة جواز مباغتة المعاهدين إذا نقضوا العهد والإغارة عليهم، وألا يعلمهم بمسيره إليهم، وأمَّا ما داموا قائمين بالوفاء بالعهد فلا يجوز ذلك حتّى ينبذ إليهم على سواء"، ومن ليس له عهد صحيح بل غاية ما له شبهة عهدٍ ثم فعل ما ينقض العهدَ أولى بهذا الحكم.

على أنَّ المجاهدين أنذروا - وليس واجبًا عليهم الإنذار لأنّ الكفار قد نقضوا العهد لو تنزلنا وقلنا بوجوده وصحته- مرارًا كثيرةً، وأعلنوا في وسائل الإعلام التي يستطيعونها جميعًا، وبلغ الصليبيين من الأمريكان وإخوانهم الإنذارُ يقينًا، وليس أدلَّ على هذا من اتّخاذ الصليبيِّين الأسوار الحصينة التي لا تجد أمثالها إلاَّ على القواعد العسكريَّة، بل إنَّ كلَّ عمليَّةٍ إنذارٌ لما بعدها.

وبقي التنبيه إلى قولهم: أنه لا يلزم من جواز القتل ابتداءً جوازه بالفعل في زمن أو مكان معين.

ويُقال فيه: إنَّ الأصل أنَّ معنى جواز القتل والقتال جواز ابتدائه في كل بلدٍ ومكانٍ حتى يؤتى بالاستثناء، فإنَّ الكلام في جهاد الدفع، غير الكلام في جهاد الطلبِ، والكلام في ابتداء الجهاد من المسلمين، غير الكلام في حربٍ فُرضت على المسلمين وأجبروا على دخولها، والكلام على إنشاء حرب لعدوٍّ، غير الكلام على فتح جبهةٍ من جبهات الجهاد معه.

وهذه الحرب قد فرضت على الأمة بمداهمة الكفار وصيالهم على عدد من ديار المسلمين، ولابدّ من خوضها معهم لأنها حرب شاملة المقصود منها احتلال جميع أراضي المسلمين، وترك جهادهم يمهد لهم الطريق إلى مخططهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وقتال الدفع مثل أن يكون العدو كثيرا لا طاقة للمسلمين به لكن يخاف إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على من يخلفون من المسلمين فهنا قد صرح أصحابنا بأنه يجب أن يبذلوا مهجهم ومهج من يخاف عليهم في الدفع حتى يسلموا ونظيرها أن يهجم العدو على بلاد المسلمين وتكون المقاتلة أقل من النصف فإن انصرفوا استولوا على الحريم فهذا وأمثاله قتال دفع لا قتال طلب لا يجوز الانصراف فيه بحال ووقعة أحد من هذا الباب. اهـ

وقال بن القيم رحمه الله في كتاب الفروسية: فقتال الدفع أوسع من قتال الطلب وأعم وجوبا ولهذا يتعين على كل أحد يقم ويجاهد فيه العبد بإذن سيده وبدون إذنه والولد بدون إذن أبويه والغريم بغير إذن غريمه وهذا كجهاد المسلمين يوم أحد والخندق ولا يشترط في هذا النوع من الجهاد أن يكون العدو ضعفي المسلمين فما دون فإنهم كانوا يوم أحد والخندق أضعاف المسلمين فكان الجهاد واجبا عليهم لأنه حينئذ جهاد ضرورة ودفع لا جهاد اختيار ولهذا تباح فيه صلاة الخوف بحسب الحال. اهـ

وأمَّا الحديث عن المسألة محلِّ النِّزاع، وجواز ابتداء الصليبيِّين بالقتال في بلاد الحرمين، وهل هو من الصُّور الجائزة أم لا، فتقريره على مرتبتين:

المرتبة الأولى: وجود موجب القتال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت