فقال: إذا كان أراد بشتمه طائفة معينة من المسلمين فإنه يعاقب على ذلك عقوبة تزجره وأمثاله عن ذلك، وأما إن ظهر منه قصد العموم فإنه ينتقض عهده بذلك ويجب قتله. [مجموع الفتاوى/ج28/ص363] .
فإذا كان سب المسلمين ينقض العهد فما بالك بإهانة القرآن وسب دين الإسلام وسب نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، هل يبقى بعد هذا كله عهد يُلزمنا المؤلف بالوفاء به؟!
إذًا ماذا يريد المؤلف من المسلمين؟
هل يريد منهم أن يلتزموا بالعهد الذي نقضه الكفار؟ وهل العهد بعد أن نقضوه باقٍ مستقر حتى نلتزم به؟
وأصلًا لم يصطنع الكفار هذه العهود إلا لهذا المقصود: وهو أن تُلزم المسلمين بها دون أن تلتزم هي بها، فكل اعتداء يحصل من الكفار مهما كان حجمه ومبرراته فهو ليس نقضًا للعهد، وما يحصل من المسلمين في مقابلة العدوان يعتبر نقضًا للعهد، يا سبحان الله ما هذا الفقه العصري الجديد الذي طرأ على أمة الإسلام على ألسنة المخذلين المترفين الذين ليس لهم همٌّ إلا رفاهية العيش والأمن ولو تحت نظام الكفر، وقد قال ذلك كبير أدعياء السلفية في المغرب المدعو المغراوي قال: يحكمنا يهودي أو نصراني المهم أن نعيش بأمان.
فأي عهد يتكلم عنه المؤلف الذي يعتبر نقضه إضرارًا بالمسلمين، وهل بقي عهد للكفار بعد كل ما فعلوه.
وقول المؤلف: [أن الذي يحدد نقض العهد وبقاءه ولي الأمر لا عامة الناس، وإلا صار الأمر فوضى، والفوضى محرمة وما لا يتم ترك المحرم إلا به فهو واجب] .
هذا قول ضعيف والصحيح أن الكفار متى فعلوا ما ينقض العهد فإنه ينتقض ولا يلزم أن يُعلمهم الحاكم، إنما يجب على الحاكم أن ينبذ إليهم عهدهم إذا خاف منهم النقض، أما إن وقع وحصل النقض فلا يجب على الحاكم أن يعلمهم.
قال ابن القيِّم: "وعقد الذمة ليس هو حقًّا للإمام بل هو حقٌّ لله ولعامَّة المسلِمينَ فإذا خالَفُوا شيئًا مما شرط عليهم، فقد قيلَ: يجبُ على الإمامِ أن يفسَخَ العَقْد وفسخُهُ أن يُلحِقَه بمأمنه ويخرجَه من دَار الإسْلامِ ظنًّا أن العقد لا ينفسِخ بمجرَّد المُخالفة بل يجبُ فسخه، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ الشُّروطَ إذا كانت حقًّا لله لا للعاقد انفسخَ العقدُ بفواته من غيرِ فسخٍ. وهذه الشُّروطُ على أهل الذِّمَّة حقٌّ لله لا يجوز للسُّلطانِ ولا لغيرِهِ أن يأخُذ منهم الجِزيةَ ويمكِّنهُم من المُقام بِدار الإسلام إلاَّ إذا التَزَمُوها وإلاَّ وَجَب عليه قتالُهم بنصِّ القرآن " أحكام أهل الذّمَّة (3/ 1355) .
وأدلَّة القرآن صريحةٌ في هذا، قال تعالى: (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) . فأنكر الله عهود المشركين، إلاَّ ما استثنى، وقال: (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ