وقال ابن قدامة في المغنى (كتاب المرتد) (مسألة: ومن ترك الصلاة) : (لا خلاف بين أهل العلم في كفر من تركها جاحدًا لوجوبها إذا كان ممن لا يجهل مثله ذلك، فإن كان ممن لا يعرف الوجوب كحديث العهد بالإسلام والناشئ بغير دار الإسلام أو بادية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم، لم يحكم بكفره، وعرّف ذلك، وتثبت له أدلة وجوبها فإن جحدها بعد ذلك كفر، وأما إذا كان الجاحد لها ناشئًا في الأمصار بين أهل العلم فإنه يكفر بمجرد جحدها، وكذلك الحكم في مباني الإسلام كلها ... ) أهـ.
هذا واعلم أن مانع الجهل فيه تفصيل يطول، وقد صنف فيه أهل عصرنا المصنفات، ما بين إفراط وتفريط، وقد نفاه أقوام بالكلية، فأخطأوا، وكفّروا من لم يكفره الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ..
ووسّعه آخرون فتعدوا حدود الله فيه، حتى عذروا المرتدين المعاندين، والكفرة المعرضين عن دين الله، أولئك الذين جهلوا دين الله بكسبهم وإعراضهم عنه، واستحبابهم الحياة الدنيا وزخرفها .. فتراهم أعلم الناس في كل ما دق وجل من أمورها وقشورها، بينما لا يرفعون رأسًا بتعلم أهم وأول ما افترض الله على ابن آدم تعلمه، هذا مع توفر مظنة العلم، والكتاب والسنة بين أيديهم -كما قلنا- فهم ممن قال الله تعالى عنهم (( يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) ).
ـ الإكراه: يعتبر الإكراه مانعًا من موانع التكفير لكون صاحبه مجبر على القول أو الفعل فاقد للاختيار، ويدل عليه قوله تعالى: (( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) ).
وقد ذكر العلماء شروطًا لصحة تحقق مانع الإكراه منها:
* أن يكون المكرِه (بكسر الراء) قادرًا على إيقاع ما يهدد به، والمكرَه عاجزًا عن الدفع ولو بالفرار.
* أن يغلب على ظن المكرَه، انه إذا امتنع أوقع به ما يهدد به.
* أن لا يظهر على المكرَه ما يدل على تماديه، بأن يعمل أو يتكلم زيادة على ما يمكن أن يزول به عنه البلاء.
* واشترطوا فيما يهدد به في الإكراه على كلمة الكفر، أن يكون مما لا طاقة للمرء به، ومثلوا بالإيلامات الشديدة وتقطيع الأعضاء، والتحريق بالنار والقتل وأمثال ذلك .. وذلك لأن الذي نزلت بسببه آيات إعذار المكره وهو عمار، لم يقل ما قال إلا بعد أن قتل والديه وكسرت ضلوعه، وعذب في الله عذابًا شديدًا.
وسيأتي تفصيل أطول عن مسألة الإكراه في ثنايا الرد على الشبهة الأولى.
فهذه هي موانع التكفير التي ذكرها العلماء رحمهم الله وعكسها هي الشروط.
قال المؤلف: [ومن أوضح الأدلة على هذا تكفير رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي استحل فرج امرأة أبيه فتزوجها بأن خمس ماله - وسيأتي -، وتكفير أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- والصحابة للممتنعين عن دفع الزكاة وسموهم مرتدين , وتهديد عمر بن الخطاب الذين استحلوا شرب الخمر متأولين بأنهم إن لم يرجعوا كفروا، وكان منهم قدامة بن مظغون البدري.