ومن ذلك قطعًا أصل التوحيد، الذي يتضمن تجريد العبادة لله وحده بكافة أنواع العبادة، فنقض هذا الأصل بدعوى التأويل الذي يسوغ الإشراك بالله تعالى واتخاذ الأنداد معه من أوضح الباطل الذي بعثت الرسل كافة بإبطاله وإنكاره.
ـ الجهل: الجهل يعتبر مانعًا من موانع التكفير، ولكن ليس على الإطلاق بل الجهل الذي عدّه العلماء مانعًا من موانع التكفير هو الجهل الذي يخرج عن قدرة المكلف بحيث يكون حديث عهدٍ بالإسلام ولم تبلغه الشرائع أو يكون بمكان لا يستطيع فيه رفع الجهل عن نفسه مع حرصه ونصحه.
قال القرافي (684هـ) : (إن كل جهل يمكن المكلف دفعه، لا يكون حجة للجاهل) أنظر الفروق (4/ 264) وأيضًا (2/ 149 - 151) .
ويقول ابن اللحام: (جاهل الحكم إنما يعذر إذا لم يقصر أو يفرط في تعلم الحكم، أما إذا قصر أو فرط فلا يعذر جزمًا) أهـ القواعد والفوائد الأصولية ص (58) .
وقال الإمام السيوطي رحمه الله: كل من جهل تحريم شيء مما يشترك فيه غالب الناس لم يقبل، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة يخفى فيها مثل ذلك. اهـ [الأشباه والنظائر، ج1،ص357] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الرد على المنطقيين: (حجة الله برسله قامت بالتمكن من العلم، فليس من شرط حجة الله علم المدعوين بها، ولهذا لم يكن إعراض الكفار عن استماع القرآن وتدبره مانع من قيام حجة الله عليهم، وكذلك إعراضهم عن المنقول عن الأنبياء وقراءة الآثار المأثورة عنهم لا يمنع الحجة إذ المكنة حاصلة) .
وقال رحمه الله في رسالته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (وإذا أخبر بوقوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منها لم يكن من شرط ذلك أن يصل أمر الآمر ونهي الناهي منها إلى كل مكلف في العالم، إذ ليس هذا من شرط تبليغ الرسالة: فكيف يشترط فيما هو من توابعهما؟ بل الشرط أن يتمكن المكلفون من وصول ذلك إليهم ثم إذا فرطوا فلم يسعوا في وصوله إليهم مع قيام فاعله بما يجب عليه كان التفريط منهم لا منه. اهـ
وقال ابن القيم رحمه الله في المقلد الذي تمكن من العلم ومعرفة الحق فأعرض: فالمتمكن المعرض مفرّط تارك للواجب عليه لا عذر له عند الله. اهـ
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: إن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام والذي نشأ ببادية، أو يكون ذلك في مسألة خفية مثل الصرف والعطف فلا يكفر حتى يعرف، وأما أصول الدين التي أوضحها الله في كتابه فإن حجة الله هي القرآن، فمن بلغه فقد بلغته الحجة. [مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب] .