ويقول أيضًا: (فالمتأول والجاهل المعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر، بل قد جعل الله لكل شيء قدرًا) أهـ مجموع الفتاوى (3/ 180) .
ويقول ابن الوزير رحمه الله: (قوله تعالى في هذه الآية الكريمة(( ولكن من شرح بالكفر صدرًا ) )يؤيد أن المتأولين غير كفار، لأن صدورهم لم تنشرح بالكفر قطعا أو ظنًا، أو تجويزًا أو احتمالًا) اهـ. إيثار الحق على الخلق ص (437) .
تنبيه: وأما ما يدفع به بعض الزنادقة والملاحدة كفرهم الصريح من سفسطة وتمويه وتلاعب بالدين، فهو وإن سماه بعض الجهلة تأويلًا .. إلا أنه مردود وغير مستساغ ولا مقبول، وذلك لصراحة كفرهم ووضوحه .. والعبرة للمعاني والحقائق، لا للأسماء والألفاظ التي يتلاعب بها كثير من أهل الأهواء .. فكم من باطل زخرفه أصحابه ليعارض به الشرع.
ولذلك نقل القاضي عياض في الشفا قول العلماء: (إدعاء التأويل في لفظ صراح لا يقبل) أهـ (2/ 217)
ونص عليه شيخ الإسلام في الصارم المسلول ص (527)
فمن عرفت واشتهرت زندقته وتلاعبه بأدلة الشرع، أو كان يتعاطى من أسباب الكفر ما هو صريح وواضح ولا يحتمل التأويل، لم تقبل منه دعوى التأويل فليس ثم اجتهاد وتأويل يسوغ تعاطي الكفر الصريح .. فإنه لا تخلو حجة كافر من الكافرين من تأويلات فاسدة يرقع بها كفره ..
ولذا قال ابن حزم: (ومن بلغه الأمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من طريق ثابتة، وهو مسلم فتأول في خلافه إياه، أو ربما بلغه بنص آخر، فلم تقم عليه الحجة في خطئه في ترك ما ترك، وفي الأخذ بما أخذ فهو مأجور معذور، لقصده إلى الحق، وجهله به، وإن قامت عليه الحجة في ذلك فعاند، فلا تأويل بعد قيام الحجة) أهـ الدرة (414)
وقال رحمه الله: (وأما من كان من غير أهل الإسلام من نصراني أو يهودي أو مجوسي، أو سائر الملل، أو الباطنية القائلين بإلهية إنسان من الناس، أو بنبوة أحد من الناس، بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يعذرون بتأويل أصلًا، بل هم كفار مشركون على كل حال) أهـ الدرة فيما يجب اعتقاده ص (441) .
وعلى هذا فما كان من التأويل ناشئًا عن محض الرأي والهوى، دون استناد إلى دليل شرعي، ولا هو بمستساغ في لغة العرب، فإنه ليس من الاجتهاد في شيء، بل هو من التأويل الباطل المردود الذي لا يعذر صاحبه، إذ هو تلاعب بالنصوص، وتحريف للدين، عبر عنه بمسمى التأويل، ولذا قال ابن الوزير: (لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم؛ بالضرورة للجميع، وتستر باسم التأويل فيما لا يمكن تأويله، كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى، بل جميع القرآن والشرائع والمعاد الأخروي من البعث والقيامة والجنة والنار) أهـ إيثار الحق على الخلق ص (415) .