تنبيه: لا يشترط في الحكم على مَن فَعل المكفِّر قاصدًا عالمًا أن يقصد بفعله الكفر أو الخروج من الدين، بل هو إن فعل المكفِّر قاصدًا عالمًا ترتب الحكم عليه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول ص177 - 178: (وبالجملة فمن قال وفعل ما هو كفر، كفر بذلك، وإن لم يقصد أن يكون كافرًا، إذا لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله) أهـ.
وقال أيضًا فيه ص (370) : (والغرض هنا أنه كما أن الردة تتجرد عن السب، فكذلك تتجرد عن قصد تبديل الدين وإرادة التكذيب بالرسالة، كما تجرد كفر إبليس عن قصد التكذيب بالربوبية؛ وإن كان عدم هذا القصد لا ينفعه، كما لا ينفع من قال الكفر أن لا يقصد الكفر) أهـ.
وقال ابن حجر في فتح الباري (كتاب استتابة المرتدين .. ) (باب من ترك قتال الخوارج .. ) : (وفيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه، ومن غير أن يختار دينًا على الإسلام) أهـ.
ـ التأويل: والمراد به هنا وضع الدليل الشرعي في غير موضعه باجتهاد، أو شبهة تنشأ عن عدم فهم دلالة النص، أو فهمه فهما خاطئا ظنه حقا، أو ظن غير الدليل دليلا، كالاستدلال بحديث ضعيف ظنه صحيحا، فيقدم المكلف على فعل الكفر وهو لا يراه كفرا، فينتفي بذلك؛ (شرط العمد) ، ويكون الخطأ في التأويل مانعًا من التكفير، فإذا أقيمت الحجة عليه وبين خطؤه فأصر على فعله كفر حينئذ.
ودليل هذا إجماع الصحابة على اعتبار هذا النوع من التأويل من باب الخطأ الذي غفره الله تعالى بالأدلة المتقدمة - وذلك في حادثة قدامة بن مظعون حيث شرب الخمر مع جماعه مستدلًا بقوله تعالى: (( ليس على الذين أمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ) )93 المائدة، كما روى ذلك عبد الرزاق في مصنفه ... وكان قدامة قد استعمله عمر على البحرين، فلما شهد عليه أبو هريرة وغيره وشهدت معهم امرأة قدامة أيضًا أنه شرب الخمر أحضره عمر وعزله، ولما أراد أن يحده استدل بالآية المذكورة فقال عمر: أخطأت التأويل (أخطأت استك الحفرة) ... قال ابن تيمية في الصارم: (حتى أجمع رأي عمر وأهل الشورى أن يستتاب هو وأصحابه، فإن أقروا بالتحريم جلدوا وإن لم يقروا به كفروا) أهـ ص530 ... ثم إن عمر بين له غلطه وقال له: (أما إنك لو اتقيت لاجتنبت ما حرم عليك، ولم تشرب الخمر .. ) فرجع، ولم يكفره بذلك، بل اكتفى بإقامة حد الخمر عليه، ولم يخالفه أحد من الصحابة بذلك.
وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما من لم تقم عليه الحجة مثل أن يكون حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الإسلام ونحو ذلك، أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر، كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر وأمثال ذلك، فإنهم يستتابون وتقام الحجة عليهم فإن أصروا كفروا حينئذ، ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك كما لم يحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا فيه من التأويل) أ هـ. مجموع الفتاوى (7/ 609 - 610)