فهرس الكتاب

الصفحة 389 من 575

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسائله الشخصية، ص60: وكذلك نكفر من قام بسيفه دون هذه المشاهد التي يشرك بالله عندها، وقاتل من أنكرها وسعى في إزالتها ا- هـ.

وقال الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله في كتابه سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدّين وأهل الإشراك: وفي أجوبة آل الشيخ رحمهم الله لما سئلوا عن هذه الآية: {إنكم إذًا مثلهم} .

قالوا: الجواب: أن معنى الآية على ظاهرها، وهو: أن الرجل إذا سمع آيات الله يُكفرُ بها ويُستهزأ بها فجلس عند الكافرين المستهزئين بآيات الله من غير إكراه ولا إنكار ولا قيام عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره فهو كافر مثلهم وإن لم يفعل فِعلهم؛ لأنّ ذلك يتضمن الرضا بالكفر، والرضا بالكفر كفر. [سبيل النجاة/ص96] .

فإذا كان هذا حكم من يجلس مع المشركين والمستهزئين من دون إكراه ولا إنكار ولا قيام عنهم، فكيف الحال بمن يحرس شركهم واستهزاءهم ويحرس مكان شركهم ويحرس المشركين أثناء شركهم؟!

وأما قول المؤلف [كما تبقى الكنائس شرعًا في الأرض التي فتحها المسلمون صلحًا[1] كما يدل على هذا فعل الخلفاء الراشدين وهم بذلك لا يسمحون لأحد أن يعتدي عليها ولو كان هذا محرمًا لما فعله الخلفاء الراشدون فضلًا عن أن يكون كفرًا فيتجلى لنا بهذا أنه لا يلزم من حماية الشرك كفر الحاكم بل لابد من النظر إلى الدوافع لذا لم يلزم من حماية الكنيسة التي يزاول فيها الشرك الأكبر كفر الحاكم فإذا وجدت كنيسة في أرض مسلمين فحماها السلطان لدوافع غير الرضا، فإن فعله لا يوصف بالكفر فضلًا عن أن يكفر لأنه لم يحمها لذاتها وإنما لأمر آخر].

هذا قياس مع الفارق فالكنائس التي كانت موجودة قبل دخول الدولة تحت حكم المسلمين يجوز إبقاؤها ولا يُتعرّض لها بعد دخولهم تحت حكم المسلمين، مع أنّ الصحابة حين أبقوها كانوا يعلمون أن النصارى يمارسون فيها الشرك ومع ذلك أبقوها لا يتعرضون لها لأنّ الكفار دخلوا تحت حكم المسلمين صلحًا على أن يبقوا على دينهم، ومحل عباداتهم هي كنائسهم لذلك كان من الشروط العمرية ألا يظهروا شيئًا من عباداتهم خارج كنائسهم، وهذا هو حكم الشرع فلا يقاس ما أذن فيه الشرع بما منع منه الشرع، فالشريعة أذنت في إبقاء الكنائس والبِيَع لأهل الذمة الذين دخلوا تحت حكم المسلمين ودفعوا لهم الجزية، بينما الأضرحة والقباب التي على القبور لا يجوز بناؤها ابتدءًا ولا إبقاؤها، بل الشرع نهى عنها وحرّمها أشدّ التحريم حتى كان من آخر ما قال النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) وفي حديث جابر في صحيح مسلم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصّص القبر أو يُبنى عليه، وفي صحيح مسلم عن أبي الهيّاج الأسدي قال: قال لي عليٌ ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تدع تمثالًا إلا طمسته ولا قبرًا مشرفًا إلا سوّيته.

فالذي يحمي الكنائس الجائز بقاؤها ليس كالذي يحمي القباب والأضرحة الواجب إزالتها، فإنّ هذا من باب قياس الجائز بالمحرم، والمشروع بالممنوع، فيا سبحان الله كم يجرُّ الهوى على صاحبه من الزلل والعمى.

(1) أحكام أهل الذمة للإمام ابن القيم (3/ 1202)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت