فهرس الكتاب

الصفحة 391 من 575

وعلى التنزل بإسلامهم، فإن جنود السلطان المسلم يعاملون معاملة الصائل إن أرادوا الاعتداء على النفس أو المال أو العرض، ودليل ذلك: ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأَيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟، قال: (فلا تعطه مالك) ، قال أرأَيت إن قاتلني؟ قال: (قاتله) ، فال: أرأيت إن قتلني؟ قال: (فأنت شهيد) ، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: (هو في النار) ،"والحديث دالٌّ على العموم من وجوهٍ، منها ترك الاستفصالِ في مقام الاحتمال، وهذا منزّلٌ منزلة العموم في المقال، ومنها أنَّ قوله رجلٌ نكرةٌ في سياق شرطٍ، وهو أيضًا نكرةٌ في سياق استفهامٍ، وكلا هذين مفيدٌ للعموم".

وكذلك"لمَّا أرادَ عنبسة بن أبي سفيان وكان واليًا لمعاوية رضي الله عنه أن يجري عين ماءٍ في أرض عبد الله بن عمرو ليوصلها إلى أرض عنبسة، أبى عبد الله، وركب هو وغلمانه وقال والله لا تخرقون حائطنا حتى لا يبقى منَّا أحد، ولمَّا كلَّمه خالد بن سعيد بن العاص في ذلك احتجَّ عليه بما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم: (من قُتل دون ماله فهو شهيدٌ) ، فهذا فهم صحابيٍّ وعمله بالحديث وهو موافقٌ لعمومه الَّذي لا مُخصِّص له ولم يُنقل خلافُه عن غيرِه من الصحابة".

وقد أراد بعض الناس التشكيك في حديث عبد الله بن عمرو وأنّه لم يكن في مواجهة سلطان، والطعن في القصة واللفظ الذي أوردتُه.

فأمَّا الحديثُ، ففيه قصَّةٌ، ونصٌّ مرفوعٌ، وقد ثبت من القصة في مسلم وغيره قول الراوي: لما كان بين عبد الله بن عمرو وعنبسة بن أبي سفيان ما كان تيسرا للقِتال، فذكر الحديث واستدلال عبد الله بن عمرو به في هذا الموضع، وقوله ما كان: اختصار من بعضِ رواةِ الحديثِ للقصةِ، وقد جاء مفصلًا في رواياتٍ غير هذه الرواية تأتي بإذن الله.

ومن اللفظ الثابت في صحيح مسلم: يظهر أنَّ عنبسة أراد العدوان على شيءٍ من مال عبد الله بن عمرو، فأراد عبد الله أن يُقاتل دونه، وحين حوجج استدلَّ بالحديث، وعنبسة كان واليَ معاويةَ على الطائف ومكَّة، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري:"وأشار بقوله: (ما كان) إلى ما بيّنه حيوة في روايته المشار إليها؛ فإن أولها أن عاملًا لمعاوية أجرى عينًا من ماء ليسقي بها أرضًا، فدنا من حائط لآل عمرو بن العاص فأراد أن يخرقه ليُجري العين منه إلى الأرض؛ فأقبل عبد الله بن عمرو ومواليه بالسلاح وقالوا: والله لا تخرقون حائطنا حتى لا يبقى منا أحد، فذكر الحديث، والعامل المذكور هو عنبسة بن أبي سفيان كما ظهر من رواية مسلم، وكان عاملًا لأخيه على مكة والطائف، والأرض المذكورة كانت بالطائف، وامتناع عبد الله بن عمرو من ذلك لما يدخل عليه من الضرر".

ورواية حيوة - وهو ابن شريح المصري - المشار إليها هي روايته الحديث عن أبي الأسود عن عكرمة عن عبد الله بن عمرو بن العاص التي أخرجها الطبري فيما ذكر الحافظ في الفتح، وإسنادها على شرط الصحيح إن صحَّ إلى حيوةَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت