وقد أخرج المزِّي الحديث بإسناده إلى سُعير بن الخمس عن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عن عكرمة مولى ابن عباس عن عبد الله بن عمروٍ به، وذكر في القصة: أنَّ معاوية (بدل عنبسة) ، وقد أخطأ سعيرٌ في إسناد هذا الحديث، وصوابه ما رواه الثوري وغيره عن عبد الله بن الحسن عن عمه - أخي أبيه لأمه - إبراهيم بن عبد الله بن طلحة عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
وظاهرٌ من هذه الروايات أنَّ معاوية رضي الله عنه أراد أن يأخذ الأرض، وأمر أخاه عنبسة وهو واليه على مكة بأخذها، فكان من عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه ما كان، وهو ما جاء صريحًا فيما رواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال: أرسل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه إلى عامل له ليأخذ الوهط فبلغ ذلك عبد الله بن عمرو فلبس سلاحه .. فذكر الحديث، وهذا مرسل جيد الإسناد.
ولا يُورد على ثبوت القصة مفصلَّةً روايةُ من روى الحديثَ بغير القصَّة، فإنَّ من عادة كثيرٍ من رواة الحديث، ومن صنَّف في المسندات خاصَّةً الاختصار، والاقتصار على المتن المرفوع من الحديث في الغالب، وقد اشتُهر بهذا بعض الحفاظ كشعبة بن الحجاج، فكانوا لا يروون من الحديث إلاَّ المرفوع، ومثل هذا لا يُعِلُّ به الحذَّاق في الصناعةِ، خصوصًا والقصة مشارٌ إليها في المتن، مشتهرةٌ ولا بدّ في ذلك الوقت، وقد رُويت من غير وجهٍ، ورواياتها متوافقةٌ غير متعارضةٍ.
قال ابن حزم في المحلى: فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص، بقية الصحابة، وبحضرة سائرهم يريد قتال عنبسة بن أبي سفيان عامل أخيه معاوية أمير المؤمنين إذ أمره بقبض الوهط، ورأى عبد الله بن عمرو أن أخذه منه غير واجب، وما كان معاوية رضي الله عنه ليأخذه ظلمًا صراحًا، لكن أراد ذلك بوجهٍ تأوَّله بلا شكٍّ، ورأى عبد الله بن عمرو أن ذلك ليس بحقٍّ، ولبس السلاح للقتالِ، ولا مخالف له في ذلك من الصحابة رضي الله عنهم.
ثم استدلَّ ابن حزمٍ للمسألة بقوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) ولم يفرَّق بين حاكمٍ ومحكومٍ، مع نص الفقهاء على أنّ من خرج على السلطان يُسأل فإن ذكر مظلمة كشفت، أو شبهةً أُزيلت.
وهو استدلالٌ قويٌّ، من جهة عموم الحكم ولا مخصص، ومن جهة أنَّ الصورة التي ورد فيها العموم يكثر أن تكون مع سبق ولاية لأمير فئةٍ على الفئتين جميعًا؛ فلا يُمكن أن تُخرج هذه الصورة من لفظ العموم مع كثرة وقوعها، ومن أقوى الوجوه في هذا فعل عائشة وطلحة والزبير - مخطئين - في قتالهم لعلي بن أبي طالب رضوان الله عليهم جميعًا، وقد أخطؤوا في ظنهم أن عليًّا في الفئة الباغية لا في كونهم رأوا قتال الفئة الباغية، وقد قاتلوا السلطان في خروجهم ذلك، وكذلك فعل معاوية في قتاله لعلي ومن كان مع معاوية من الصحابة رضي الله عن الجميع، فهؤلاء الصحابة رأوا قتال ولي الأمر لما ظنوه هو الباغي، ولم يُذكر اختلافٌ في حكم قتال ولي الأمر الباغي، وإنَّما كان الخلاف في الحق مع من هو؟، ولو كانت مقاتلة ولي الأمر لا تجوز ولو كان باغيًا لانتهى الخلاف بين الصحابة بهذا: