فهرس الكتاب

الصفحة 393 من 575

إمَّا أن يكون عليٌّ مصيبًا فيلزمهم النزول لحكمه، وإمَّا أن يكون مخطئًا فلا يجوز لهم مقاتلته، ولكنهم ما فهموا هذا من دين الله، ولا نسبوه -فيما نعلم- إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأمَّا حديث:"تسمع وتطيع وإن أخذ مالك وضرب ظهرك"، فحديثٌ صحيحٌ، وليس فيه إلاَّ أن السمع والطاعة للإمام لا تسقط بجوره وظلمه، وإن بلغ ذلك أخذ المال وضرب الظهر، فإن كان المخالف يفهم أنَّ المراد السمع والطاعة في أخذه للمالِ وضربه للظهر، فأول ما يلزم على هذا أنَّه يجب عليه إن طلب منه السلطان ما طلب من المال ظلمًا وجورًا أنَّ عليه الامتثال وجوبًا، وأن يسعى بنفسه إلى السلطان ويناوله ماله، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة للإمام في هذا الأمر خاصة، وكذا إن طلبه ليضربه، فليس له الامتناع عنه بشيءٍ، ولا الفرار منه أو التهرب عن طاعته والخروج عن أمره بأيِّ طريقٍ، ويكون واجبًا عليه إعانة السلطان على ظلمه له، ويحرم عليه أن يفر ولا يمكن السلطان من ماله أو ظهره.

وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالكٍ في كتاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى عماله في الصدقات:"بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة، التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فليُعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط".

فإن كان المخالف لا يرى أنَّ المراد في الحديث السمع والطاعة في أن يأخذ السلطان ماله بغير وجه حق، وأن يجلد ظهره لغير موجب شرعي، ولكن رأى أنَّ مجرَّد مدافعة السلطان خلافٌ لما أُمر به من طاعته، بخلاف الفرار منه وتغييب المال عنه؛ فيلزمه أنَّ السُّلطان لا يُدافَع عن شيءٍ من الحُرمات البتّة، ولو أراد عرض الرجل لم يكن له أن يدفعه ولا بيده، بل ولو أرادت المرأة الشريفة العفيفة أن تمتنع منه لم يكن لها ذلك إلا بالفرار، وليس لها أن تدفعه بيدها لأنَّه وليُّ أمر المسلمين، وإذا التزم هذا في السلطان، فليُعلم أنَّه ليس مختصًّا بإمام المسلمين، والسلطان الذي ليس فوقه سلطان لبشر، بل هو يشمل كل صاحبِ ولايةٍ على ولايته، وكل وكيلٍ لأميرٍ في أمرٍ من الأُمور، باعتبار نيابتهم للسلطان، وكون مقاتلة الواحد منهم كمقاتلة السلطان الَّذي أنابه، فيحرم أن يدفع الموظّف مديرهُ، والمرؤوس رئيسه عن عرضه، ولا يجوز له أن يزيد عن نهيه بالكلام، أو الفرار منه إن استطاع، فإن لم يستطع الفرار، لم يجز له أن يدفع عن عرضه بيده، وكذلك الموظفة عند رئيسِها، متى كان الرئيس والمرؤوس في كل ذلك موظفًا حكوميًّا، وإنَّما استطردتُ في هذا اللازم لبيان شناعة هذا القول الذي اجتمعت أدلة الشرع والعقل والفطرة السويّة في دفعه.

والقول الَّذي قُلناه هو ما دلَّ عليه الكتاب فيما يُفهم من آية البغاةِ، وفي عموماتٍ كثيرةٍ، وما دلت عليه السنة في الحديث المتفق عليه:"وإن جلد ظهرك وأخذ مالك"، وبه فهم الحديثَ عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو راوي الحديثِ، وهو صحابيٌّ، بل من علماء الصحابة وكان غزير العلم كما قال المزِّي في ترجمته من تهذيب الكمال، واشتهرت الواقعة ولم يُنكرها أحد من الصحابة ولا التابعين، وفقهاء الصحابة يومئذٍ متوافرون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت